إقالة مدير مدينة هامترامك ذي الأصول العربية من منصبه
هامترامك، ميشيغان — في مشهد صاخب لم تشهده قاعة المجلس البلدي منذ سنوات، صوّت مجلس مدينة هامترامك مساء الثلاثاء الموافق التاسع من يونيو 2026 بأغلبية أربعة أصوات مقابل صوتين على إقالة مدير المدينة عادل العدلاني، وذلك بعد أشهر قليلة فحسب من توليه المنصب. جاء القرار مباغتاً، دون سبب رسمي معلن، وسط شجار حاد بين رئيس المجلس ورئيس المدينة، في جلسة وصفها كثير من السكان والمراقبين بأنها الأكثر فوضى في تاريخ الحكم المحلي للمدينة ذات الغالبية العربية والمسلمة.
التصويت المفاجئ: كيف جرى؟
لم يكن بند إقالة مدير المدينة مدرجاً على جدول أعمال الجلسة المعتادة. فجأة، طرح رئيس المجلس بالنيابة محمد حسن اقتراحاً طارئاً بإضافة قرار الإقالة إلى الأجندة في اللحظات الأخيرة، فانفجرت المواجهة على الفور. رئيس المدينة آدم الحربي اعترض بشدة، مؤكداً أن هذا الإجراء يخالف صراحةً ميثاق المدينة وقواعد العمل الداخلية، بل تمادى الأمر إلى حد تهديد الحربي بإخراج حسن من قاعة الاجتماع بالقوة عبر الشرطة.
استمر الجدال قرابة ثلاثين دقيقة، وتحولت الجلسة إلى ما يشبه مباراة صياح أمام كاميرات البث المباشر. ورغم كل الاعتراضات، مضى المجلس قُدُماً بالتصويت، ليُطاح بالعدلاني من منصبه دون إبداء أي سبب رسمي أو الكشف عن أي تفاصيل تتعلق بالتسوية المالية أو الإطار الزمني لتعيين خلفه.
“لا أعرف الأسباب الحقيقية وراء محاولة إقالة مدير المدينة… هم يتجاهلون رئاسة الجلسة، ويتخطّون ميثاق المدينة، ويمررون تصويتاً في اللحظة الأخيرة. إنه أمر طائش يجب أن يُقلق كل سكان مدينتنا.”
— رئيس المدينة آدم الحربي
من هو عادل العدلاني؟
عُيّن عادل العدلاني مديراً للمدينة في أواخر فبراير 2026، بعد عملية بحث مطوّلة ومثيرة للجدل أثارت نقاشاً واسعاً داخل المجتمع المحلي. كان العدلاني، الذي ينحدر من أصول عربية، يمثّل رهاناً للاستقرار في مدينة تعيش على وقع اضطرابات إدارية متكررة. غير أن توقعات الاستقرار تبددت سريعاً.
عضو المجلس يوسف سعيد، أحد المصوّتين لصالح الإقالة، زعم أن العدلاني ارتكب ما يزيد على عشرين مخالفة خلال أشهره الخمسة في المنصب، لكنه لم يكشف عن طبيعة هذه المخالفات أو يقدم أي وثائق تثبت ادعاءاته. وفي اللقطة التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، قال سعيد بصريح العبارة: “منذ اليوم الأول، أثبت أنه غير مؤهل لهذا المنصب.”
ما وراء الأكمة: خلافات سياسية وتوترات خفية
لا يرى المتابعون لشأن هامترامك في هذا التصويت مجرد خلاف إداري. ثمة طبقات أعمق تتحرك تحت السطح، وفق ما رصده مراسلون ومصادر مطلعة على دواليب السياسة في المدينة.
تشير مصادر متعددة إلى أن محمد حسن، القائد الميداني لعملية الإقالة، يواجه هو نفسه ضغوطاً شعبية متصاعدة وحملة لعزله من منصبه بسبب ادعاءات تتعلق بانتهاكات انتخابية. ويرى هؤلاء المصادر أن القرار المفاجئ بإقالة العدلاني قد يكون في جوهره مناورة سياسية لتحويل الأنظار عن ملفات شخصية حرجة.
لكن الرواية الأكثر إثارة تتعلق بالخدمات القانونية للمدينة. وفقاً لمصادر مطلعة، كان العدلاني قد شرع في تقليص اعتماد المدينة على مكتب المحامي عدي مروح، وفتح باب التنافس أمام مكاتب محاماة أخرى، بعد سنوات طويلة من الترتيب الحصري الذي جنى فيه مكتب مروح ما يقارب المليون دولار من رسوم قانونية خلال العام الماضي وحده. هذا القرار، بحسب المصادر، أوجد خصوماً أقوياء لمدير المدينة داخل دوائر النفوذ.
“لا أحد يريد التقدم لشغل منصب مدير المدينة في هامترامك.”
— عضو المجلس يوسف سعيد، خلال الجلسة
هامترامك: أربعة مدراء في أقل من عام
إقالة العدلاني ليست حادثة معزولة، بل هي آخر حلقات مسلسل من الاضطرابات الإدارية التي لم تعرف لها هامترامك مثيلاً. المدينة شهدت خلال أقل من اثني عشر شهراً أربعة مدراء تعاقبوا على المنصب الواحد، وهو رقم قياسي يعكس عمق الأزمة.
- في مايو 2025، وُضع مدير المدينة ماكس غاربارينو في إجازة إدارية مدفوعة الأجر وسط اتهامات بالفساد واضطرابات حادة داخل إدارة الشرطة.
- في أغسطس 2025، أقال المجلس غاربارينو رسمياً بتصويت 5-0، إلى جانب إقالة رئيس الشرطة جاميل الطاهري والضابط دايفيد آدامزيك، على خلفية تقرير تحقيقي بشأن اتهامات بالفساد وسوء الإدارة.
- في فبراير 2026، عُيّن عادل العدلاني بعد شهور من الفراغ القيادي.
- في يونيو 2026، أُقيل العدلاني بعد خمسة أشهر فقط دون تقديم أي مسوّغ رسمي.
وبموجب ميثاق المدينة، سيتولى رئيس الدائرة المالية عامر أحسن مهام المدير المؤقت حتى يتخذ المجلس قراراً بشأن الخطوات التالية، سواء بفتح باب البحث عن مدير دائم أو الاستمرار في الإدارة المؤقتة.
مدينة الاختبار: هامترامك ومعنى التمثيل السياسي
تحتل هامترامك مكانة رمزية استثنائية في خريطة الوجود العربي والإسلامي في أمريكا. فهي المدينة الأمريكية الأولى التي انتخبت مجلساً بلدياً ذا أغلبية مسلمة عام 2021، وفي عام 2022 أصبح الطبيب عامر غالب، اليمني الأصل، أول عمدة مسلم وعربي لها. كانت هذه المدينة الصغيرة المحاصرة بمحيط ديترويت تُضرب مثلاً على نجاح الاندماج السياسي للجالية العربية والإسلامية في الديمقراطية الأمريكية.
لكن الاضطرابات المتكررة في إدارة المدينة بدأت تُلقي بظلالها على هذه الصورة المشرقة. ما كان يُعدّ إنجازاً للتمثيل السياسي بات يُقرأ أحياناً على أنه دليل على صعوبة إدارة المؤسسات البلدية حين تتشابك المصالح وتتعدد مراكز النفوذ. وهو سرد يحرص كثير من أبناء الجالية على رفضه، مؤكدين أن الانقسامات السياسية الداخلية ظاهرة موجودة في كل مجلس بلدي أمريكي، بصرف النظر عن هوية المنتخبين.
ردود الفعل المجتمعية: غضب وقلق
بعد ساعات من انتهاء الجلسة، انتشرت مقاطع الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي، وأشعلت جدلاً واسعاً بين سكان هامترامك والجالية العربية في منطقة ديترويت الكبرى وخارجها. تعليقات الغضب والخيبة طغت على المنصات، مع مطالبات بالمحاسبة والشفافية.
رئيس المدينة آدم الحربي نشر رسالة صوتية على فيسبوك أقرّ فيها بمشاعر الإحباط لدى السكان، وتعهّد بالعمل على استعادة الاستقرار. غير أن التعهدات بالاستقرار باتت مألوفة في هامترامك لدرجة أن كثيرين باتوا يتلقّونها بتشكيك لم يعودوا يخفونه.
في المقابل، يرى بعض المراقبين أن الأزمة قد تكون فرصة لإصلاح جوهري: مراجعة ميثاق المدينة وتعزيز استقلالية الإدارة التنفيذية عن التجاذبات السياسية، وهو ما قد يُعيد لهامترامك دورها كنموذج ناجح بدلاً من أن تبقى رمزاً للاضطراب.
ما الذي يعنيه هذا للجالية العربية الأمريكية؟
الحادثة تتجاوز حدود هامترامك لتطرح أسئلة أوسع تشغل بال الجالية العربية الأمريكية في مختلف الولايات. حين يتولى أبناء الجاليات مقاليد الحكم المحلي، يصبح أداؤهم مرآة للصورة الأشمل التي تُرسم عنهم في المخيلة العامة الأمريكية.
الانقسامات الداخلية في أوساط المجتمعات العربية والمسلمة ليست سراً، لكن مجاهرتها على منبر الحكم المحلي وأمام الرأي العام الأمريكي تفرض تحديات إضافية. يدرك قادة الجالية هذه الحقيقة، ولهذا تصاعدت أصوات تطالب بحوارات داخلية جادة حول مآلات التجربة السياسية في هامترامك، وكيفية الحفاظ على وحدة التمثيل في مواجهة خصوم لا ينتظرون سوى الفرصة للتشكيك في أهلية هذه المجتمعات لإدارة الشأن العام.
هامترامك الصغيرة، بمساحتها التي لا تتجاوز ميلين مربعين وسكانها الذين يبلغون نحو ثمانية وعشرين ألف نسمة، تحمل على كاهلها الصغير ثقل توقعات مجتمع بأكمله. والسؤال الذي لا يسأله أحد بصوت عالٍ، لكن الجميع يفكر فيه: هل تستطيع هذه المدينة أن تتجاوز أزمتها وتُثبت أن التمثيل السياسي الحقيقي ممكن ومثمر؟