دعوات لعزل ترامب تتصاعد بعد تهديداته لإيران والكونغرس يدخل على الخط

في واحدة من أكثر اللحظات السياسية توترًا داخل واشنطن هذا الأسبوع، ارتفعت حدة الجدل في الولايات المتحدة بعد موجة غضب أثارتها تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران، وهي تهديدات دفعت عددًا متزايدًا من الديمقراطيين إلى الحديث بصوت أعلى عن ضرورة إبعاده من المنصب، سواء عبر المساءلة البرلمانية (Impeachment) أو من خلال التعديل الخامس والعشرين من الدستور الأمريكي. ولم يتوقف الأمر عند حدود الخطاب السياسي، بل امتد إلى الكونغرس نفسه، حيث حاول الديمقراطيون التحرك لفرض قيود على أي عمل عسكري إضافي، قبل أن يعطّل الجمهوريون هذا المسار داخل مجلس النواب.
هذا التطور لا يمكن اعتباره مجرد سجال حزبي عابر. فالحديث هنا يجمع بين ثلاث قضايا شديدة الحساسية في الوقت نفسه: صلاحيات الحرب، ومستقبل الرئاسة الأمريكية، وكيفية تعامل المؤسسات الأمريكية مع رئيس يطلق تهديدات قصوى في لحظة اشتعال دولي. ولهذا السبب، فإن الخبر لا يهم المتابع الأمريكي فقط، بل يهم أيضًا القارئ العربي الذي يتابع تأثير السياسة الأمريكية على المنطقة، وعلى الحرب مع إيران، وعلى المشهد الدولي الأوسع.
ما الذي فجّر هذه الموجة السياسية؟
السبب المباشر وراء هذا التصعيد الداخلي كان تصريحات ترامب الأخيرة التي تضمنت تهديدًا بالغ الخطورة تجاه إيران، حيث اعتبر عدد من الديمقراطيين أن الخطاب تجاوز حدود التهديد العسكري التقليدي إلى مستوى غير مسبوق سياسيًا وأخلاقيًا. وبحسب ما نقلته التقارير الأمريكية، فإن هذه التصريحات أطلقت موجة غضب داخل الحزب الديمقراطي، ودفعته إلى العودة مجددًا إلى لغة كانت حتى وقت قريب شبه غائبة في ولايته الثانية: لغة العزل والمساءلة.
الجديد هنا ليس فقط أن بعض الأصوات الديمقراطية انتقدت ترامب، فهذا أمر مألوف في السياسة الأمريكية، بل إن اللافت هو أن الحديث هذه المرة خرج من دائرة الاعتراض العادي إلى دائرة القول إن الرئيس لم يعد صالحًا للاستمرار في المنصب. وهذا تحول مهم لأن قيادة الحزب الديمقراطي كانت خلال الأشهر الماضية حذرة نسبيًا في مسألة إعادة فتح ملف العزل، مفضلة التركيز على ملفات المعيشة والأسعار والاقتصاد قبل الانتخابات النصفية. لكن تصريحات ترامب الأخيرة بدت بالنسبة لكثيرين داخل الحزب وكأنها كسرت هذا الحاجز النفسي والسياسي.
لماذا الخبر مهم؟ لأن الجدل لم يعد متعلقًا فقط بما إذا كانت واشنطن ستصعّد ضد إيران، بل أصبح أيضًا متعلقًا بما إذا كانت مؤسسات الحكم في أمريكا ترى أن الرئيس نفسه تجاوز الخطوط التي يجب ألا يتجاوزها رئيس في منصبه.
هل الديمقراطيون جادون فعلًا في مسار العزل؟
الإجابة الدقيقة هي: نعم في الخطاب، لكن الطريق السياسي ما يزال شديد الصعوبة. فهناك عشرات الديمقراطيين الذين رفعوا النبرة علنًا، وتحدث بعضهم بوضوح عن أن ترامب ارتكب، من وجهة نظرهم، ما يستوجب المساءلة أو حتى الإبعاد من المنصب. لكن في المقابل، ما تزال قيادة الحزب وعدد من الأصوات المعتدلة تدرك أن أي محاولة رسمية لعزل ترامب ستصطدم بحقيقة سياسية صلبة: الجمهوريون يسيطرون على الكونغرس.
وهذا يعني أن الفارق بين التصعيد السياسي والإجراء الدستوري الفعلي ما يزال كبيرًا. فالديمقراطيون يريدون على الأقل رفع الكلفة السياسية على ترامب، وإحراجه أمام الرأي العام، وإظهار أن ما صدر عنه ليس مجرد “أسلوب تفاوضي قاسٍ” كما يقول البيت الأبيض، بل سلوك يهدد صورة الرئاسة الأمريكية وحدود القانون الدولي أيضًا.
الكونغرس حاول التحرّك.. لكن الجمهوريين أغلقوا الباب
في الموازاة مع هذا الغضب، حاول الديمقراطيون داخل مجلس النواب تمرير خطوة تستهدف تقييد قدرة ترامب على الاستمرار في أي عمليات عسكرية إضافية ضد إيران من دون موافقة الكونغرس. إلا أن الجمهوريين، الذين يملكون الأغلبية في المجلس، أحبطوا هذه المحاولة خلال جلسة مختصرة جدًا. وهنا تكمن إحدى النقاط المفصلية في الخبر: البيت الأبيض لا يواجه فقط انتقادات إعلامية أو حزبية، بل يواجه معركة دستورية قديمة متجددة حول من يملك قرار الحرب: الرئيس أم الكونغرس؟
عمليًا، ما جرى يوضح أن الجمهوريين لا يزالون مستعدين لحماية ترامب سياسيًا داخل المؤسسة التشريعية، حتى عندما يرتفع منسوب الجدل حول تصريحاته أو صلاحياته. لكن في الوقت نفسه، فإن تعطيل التصويت لا يعني انتهاء الأزمة، بل على العكس قد يزيد شعور الديمقراطيين وقواعدهم بأن الحزب الجمهوري يغلق كل منافذ المحاسبة.
الشارع الديمقراطي يضغط بقوة
من العناصر اللافتة جدًا في هذا التطور أن الضغوط لم تأت فقط من النواب أو القيادات، بل من القاعدة الشعبية أيضًا. تقارير أمريكية تحدثت عن سيل من الاتصالات والرسائل إلى مكاتب الكونغرس من ناخبين غاضبين وقلقين، بعضهم طالب بوضوح بإجراءات ضد ترامب. هذا مهم لأن المزاج الشعبي داخل الحزب الديمقراطي غالبًا ما يحدد سقف الحركة لدى النواب، خاصة في سنة سياسية حساسة.
بمعنى آخر، لم تعد المسألة محصورة في تصريح هنا أو مؤتمر صحفي هناك، بل دخلت إلى صميم العلاقة بين الناخبين الديمقراطيين وممثليهم في الكونغرس. وعندما تشعر القيادات أن قواعدها تطلب منها موقفًا أشد، يصبح من الصعب جدًا العودة إلى خطاب التهدئة أو التجاهل.
كيف دافع البيت الأبيض عن ترامب؟
على الجهة المقابلة، لم يتراجع البيت الأبيض عن الدفاع عن الرئيس. بل إن المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت قدّمت رواية معاكسة تمامًا، معتبرة أن خطاب ترامب الحاد كان تهديدًا قويًا حقق نتيجة، وأنه ساعد على دفع إيران إلى القبول بوقف إطلاق النار والتحرك في اتجاه تهدئة مؤقتة. هذه الرواية تعكس المنطق الذي تبنّاه ترامب مرارًا: الضغط الأقصى أولًا، ثم فرض الوقائع على الخصوم.
لكن المشكلة السياسية هنا أن كثيرين في الداخل الأمريكي لا يناقشون فقط “النتيجة”، بل يناقشون أيضًا لغة الرئيس نفسها وحدودها. فحتى لو قال البيت الأبيض إن ما حدث كان تكتيكًا ناجحًا، فإن خصوم ترامب يرون أن رئيس الولايات المتحدة لا يستطيع أن يتحدث بهذا الشكل من دون أن يفتح بابًا خطيرًا على الشرعية الدستورية والأخلاقية والسياسية.
هل يمكن أن يتحول هذا الجدل إلى أزمة دستورية أكبر؟
الجواب: نعم، إذا استمرت المواجهة في أكثر من اتجاه معًا. فلدينا الآن ثلاثة مسارات تتحرك بالتوازي:
- مسار عسكري خارجي مرتبط بإيران ووقف إطلاق النار الهش واحتمال عودة التصعيد.
- مسار تشريعي داخلي متعلق بصلاحيات الحرب ومحاولات الكونغرس فرض رقابة أكبر.
- مسار سياسي ودستوري يتعلق بمدى أهلية ترامب للاستمرار في منصبه، على الأقل من وجهة نظر خصومه.
وعندما تتقاطع هذه المسارات الثلاثة في وقت واحد، يتحول الخبر من مجرد “تلاسن حزبي” إلى اختبار حقيقي للنظام السياسي الأمريكي. فإما أن ينجح ترامب في تجاوز العاصفة مستفيدًا من الأغلبية الجمهورية، أو يتحول تراكم الضغط إلى أزمة أكبر مع عودة الكونغرس من عطلته ومحاولة الديمقراطيين إعادة طرح الملف بطريقة أكثر تنظيماً.
ماذا يعني ذلك سياسيًا؟
سياسيًا، يبدو أن الديمقراطيين يحاولون إعادة تعريف المعركة مع ترامب. فبدل أن تكون فقط معركة على الاقتصاد أو الأسعار أو إدارة الدولة، يريد جزء متزايد منهم أن تصبح أيضًا معركة على سلامة القرار الرئاسي وحدود استخدام القوة والتهديد. وإذا نجح هذا الخطاب في التوسع، فقد يصبح أحد العناوين الكبيرة التي تسبق الانتخابات النصفية المقبلة.
أما بالنسبة لترامب، فقد يراهن على العكس تمامًا: أن قاعدته ستنظر إلى هذه الموجة على أنها دليل إضافي على أن خصومه يريدون إسقاطه بكل وسيلة، وأن شدته مع إيران ليست عبئًا بل دليل “قوة”. ولهذا، فالقضية ليست قانونية فقط، بل هي أيضًا معركة رواية أمام الرأي العام الأمريكي.
الخلاصة
ما يحدث في واشنطن الآن أكبر من مجرد رد فعل غاضب على تصريح مثير. نحن أمام لحظة تختبر فيها أمريكا نفسها: هل يبقى الجدل في حدود السجال الحزبي؟ أم يتحول إلى مواجهة أعمق حول حدود السلطة الرئاسية، ودور الكونغرس، وإمكانية مساءلة رئيس ما يزال يتمتع بحماية حزبه داخل المؤسسات؟
في كل الأحوال، فإن هذا الخبر يثبت أن السياسة الأمريكية الداخلية باتت أكثر التصاقًا مباشرة بملفات الشرق الأوسط، وأن كلمة واحدة من البيت الأبيض يمكن أن تشعل أزمة خارجية وتفتح في الوقت نفسه معركة دستورية داخلية. وهذا بالضبط ما يجعل هذا الخبر من أهم الأخبار السياسية الأمريكية اليوم.