هل تصمد سياسة “أميركا أولًا” أمام أزمات العالم؟

منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، عاد معه شعار “أميركا أولًا” بوصفه وعدًا بإعادة ترتيب أولويات السياسة الأميركية بحيث تركز على الداخل، وتقلل من الأعباء الخارجية، وتدفع الحلفاء إلى تحمل مسؤوليات أكبر. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في رفع الشعار، بل في القدرة على تحويله إلى سياسة ثابتة ومنضبطة في عالم مزدحم بالأزمات والصراعات. هذا هو المحور الأساسي الذي يناقشه المقال الأصلي المنشور في اندبندنت عربية.
الفكرة النظرية للشعار تبدو واضحة: حماية المصالح الأميركية المباشرة، وتجنب الانخراط المفتوح في نزاعات بعيدة، والتعامل مع السياسة الخارجية بمنطق المصالح لا بمنطق الحملات الأيديولوجية الواسعة. لكن التطبيق العملي يكشف أن الطريق أكثر تعقيدًا. فكلما رفعت الإدارة شعار تقليص الالتزامات الخارجية، ظهرت أزمات جديدة تدفعها إلى العودة إلى منطق التدخل، سواء في الشرق الأوسط أو في أميركا اللاتينية أو في ملفات التنافس مع القوى الكبرى. المقال الأصلي يلخص هذا التناقض بالقول إن الولاية الثانية لترامب حاولت تقديم سياسة خارجية أكثر انضباطًا، لكن مناطق مثل الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية بقيت أسيرة نزعة التدخل.
وتبرز فنزويلا هنا بوصفها مثالًا كاشفًا. فحين تتجه الإدارة إلى مقاربة حادة تجاه هذا الملف، فإنها ترسل إشارة معاكسة لفكرة “أميركا أولًا” بصيغتها التي تقوم على ضبط النفس وتقليل المغامرات الخارجية. والمشكلة ليست فقط في قرار بعينه، بل في ما يكشفه من صعوبة الجمع بين الخطاب السياسي الذي يعد بالتركيز على الداخل، وبين مؤسسات وضغوط ومصالح تدفع باستمرار نحو تدخل أكبر في الخارج. وهذا ما يجعل السؤال الحقيقي ليس: ما الذي تريده الإدارة نظريًا؟ بل: هل تستطيع تنفيذ ذلك وسط تعقيدات الواقع الأميركي والدولي؟
ويشير المقال كذلك إلى أن العقبة ليست خارجية فقط، بل داخلية أيضًا. فالبيروقراطية، والكونغرس، والإعلام، والانقسامات داخل المؤسسة الحاكمة كلها عوامل تجعل أي تحول جذري في السياسة الخارجية أمرًا بالغ الصعوبة. وتذكر المادة أن قادة جمهوريين في الكونغرس ما زالوا ينظرون بشك إلى تقليص الالتزامات الخارجية، وأن القيود التشريعية تحد من قدرة البيت الأبيض على خفض الانتشار العسكري أو تعديل المسار بسهولة. وهذا يعني أن شعار “أميركا أولًا” قد يظل جذابًا انتخابيًا، لكنه يواجه مقاومة حقيقية حين يصل إلى مرحلة التنفيذ.
في النهاية، يكشف هذا النقاش أن قوة الشعارات لا تكفي وحدها لصنع سياسة ناجحة. فالدول الكبرى لا تتحرك فقط وفق رغبات الرؤساء، بل ضمن شبكات من المصالح والتحالفات والضغوط الداخلية والخارجية. ولهذا تبدو سياسة “أميركا أولًا” أمام اختبار دائم: إما أن تتحول إلى نهج متماسك يضبط أولويات الولايات المتحدة بوضوح، أو تبقى عنوانًا سياسيًا واسعًا يصطدم في كل مرة بواقع العالم الأكثر تعقيدًا من أي شعار. وهذه زاوية تحليلية مهمة تصلح للنشر في موقعك ضمن قسم الرأي أو التحليلات السياسية الدولية.
هذا المقال إعدادٌ خاص للموقع بتصرف، استنادًا إلى مقال رأي منشور في اندبندنت عربية ومترجم عن فورين أفيرز
المصدر: اندبندنت عربية، مقال: “مصير سياسة أميركا أولا”، للكاتب ريد سميث،