Los Thuthanaka تهدّئ الإيقاع
تعود Los Thuthanaka بأسطوانة قصيرة جديدة بعنوان Wak’a، بعد ضجة ألبومها الأول الذي تصدّر اختيار Pitchfork العام الماضي. العمل الجديد أكثر هدوءًا، ويعيد تقديم أسلوب الثنائي عبر ثلاث مقطوعات تستلهم أسطورة أيمارا عن شروق الشمس الأول.

العمل يأتي من الشقيقين Chuquimamani-Condori وJoshua Chuquimia Crampton، اللذين حافظا على روح المشروع نفسها، لكنهما خفّفا من حدّة الأداء ومالا أكثر إلى مساحة صوتية أهدأ. وإذا كان الإصدار الأول قد عُرف بطاقة فوضوية وصوت يشبه البث من سماعة بلوتوث معطلة، فإن Wak’a يقدّم نسخة أقل خشونة وأكثر قابلية للاستقبال، من دون أن يفقد غرابة هويته.
من ضجة العام الماضي إلى لغة أكثر تماسكًا
الاهتمام الكبير الذي أحاط بـLos Thuthanaka في العام الماضي لم يكن معتادًا. فالألبوم الأول لم يكن متاحًا على خدمات البث، وهو ما جعله يمر تحت الرادار لفترة، قبل أن يلفت الأنظار لاحقًا عندما منحته Pitchfork المرتبة الأولى في قائمتها السنوية. هذا السياق مهم لفهم التوقعات التي تسبق Wak’a، لأن المستمع يدخل العمل الجديد وهو يعرف أن هذا المشروع لا يشبه كثيرًا أي مشروع آخر في المشهد الحالي.
لكن المفارقة هنا أن الأسطوانة القصيرة لا تحاول تكرار المفاجأة الأولى، بل تعمل على تهذيبها. فبدل الصدمة الصوتية المباشرة، يختار الثنائي بناء مساحات أكثر تدرجًا. الإيقاعات تبقى متكسرة في بعض المواضع، لكن الحواف تصبح أقل قسوة. الألحان تبدو أكثر حنينًا، والغيتارات مغموسة في التشويش والارتداد الصوتي بطريقة تضع المشروع أقرب إلى الشوغييز، مع بقاء أثر واضح للفوضى التجريبية والروك النفسي، إضافة إلى توظيف آلات تقليدية بوليفية مسجّلة ومجزأة داخل النسيج السمعي.
لغة صوتية تجمع بين الطقسي والتجريبي
أحد أبرز ما يميز Wak’a هو أنه لا يتعامل مع الأسطورة باعتبارها فكرة سردية فقط، بل يحاول تحويلها إلى تجربة سمعية. هنا لا يكتفي المشروع بإسناد عنوان رمزي إلى الأغاني، بل يعيد بناء الإحساس نفسه: الانتقال من الظلام إلى الضوء، ومن السكون إلى الانفجار، ومن الغموض إلى انكشاف المشهد تدريجيًا. لذلك يبدو العمل وكأنه عالم يتشكل أمام المستمع، لا كأنه مجرد مقطوعات مستقلة موضوعة جنبًا إلى جنب.
وفي الخلفية، يمكن سماع مزيج من الأصوات التي تلمح إلى طبقات مختلفة من الذاكرة الموسيقية. هناك آلات نفخ ولوحات مفاتيح تظهر وتختفي داخل المزيج، وكأنها شظايا من أغنيات أخرى نصف متذكَّرة. كما أن البناء العام يستفيد من طريقة توزيع تجعل بعض العناصر تبدو طافية فوق السطح، بينما يظل بعضها مدفونًا داخل كتلة صوتية كثيفة. هذا التوتر بين الوضوح والإخفاء يمنح الأسطوانة القصيرة طابعًا خاصًا، ويجعلها أقرب إلى رحلة حسية منها إلى مجرد تسجيل موسيقي تقليدي.
المقطع الأول: بداية من الظل
تفتتح الأغنية الأولى “Quta (capo-kullawada)” العمل بصوت إلكتروني منخفض يشبه الطنين، قبل أن تدخل أصوات صراصير الليل، ثم تظهر جملة غيتار تقترب في مزاجها من أعمال Brian Eno، مع خط طبول متعثر ومشوّه. هذه البداية ترسم المزاج العام بوضوح: العالم هنا لم يكتمل بعد، وكل عنصر يبدو وكأنه يبحث عن مكانه داخل المشهد.
المقطع الثاني: الجمال المقلق
أما “Wara Wara (capo-kullawada)” فهي أكثر المقطوعات كثافة ودرامية. الجميل فيها لا ينفصل عن المربك، والهادئ لا ينفصل عن العنيف. الجدار الصوتي يبدو أحيانًا خانقًا، لكنه في الوقت نفسه يحقق نوعًا من الانفراج العاطفي الذي يصل إليه كثير من الموسيقيين بعد سنوات من التجريب. هنا تتداخل الأبواق واللوحات الصوتية والغناء الخشن والغيتارات غير المنتظمة داخل ذروة فوضوية، لكنها محسوبة ومبنية بعناية.
المقطع الثالث: ختام يهدّئ الاندفاع
في المقابل، تأتي “Ay Kawkinpachasa? (capo-kullawada)” كنوع من الهبوط الهادئ بعد التوتر. لا يعني ذلك أن المقطوعة خفيفة أو بسيطة؛ فهي لا تزال كثيفة وممتلئة، حتى إن تمييز الآلات داخلها يصبح أكثر صعوبة مع تقدّمها. لكن إحساسها العام أكثر سكينة. يمكن تلمّس ما يشبه الأكورديون والفيولن والآلات المفاتيحية وهي تتزاحم على المساحة نفسها، ثم تتراجع الغيتارات المتقطعة لتترك الانطباع الأخير قبل نهاية الأسطوانة القصيرة.
لماذا يبدو هذا الإصدار أكثر قربًا؟
بالنسبة لمن وجد العمل الأول لـLos Thuthanaka قاسيًا أو حادًا أكثر من اللازم، فإن Wak’a يقدّم مدخلًا أسهل إلى هذا العالم الصوتي الفريد. فالثنائي لم يتخلّ عن طبيعته التجريبية، لكنه خفف من الطابع الصدامي ورفع من حضور اللحن والاتساع والطبقات المتوازية. هذا لا يجعل العمل أقل غرابة، بل يجعله أكثر اتزانًا، وربما أكثر قدرة على اجتذاب مستمعين جدد يريدون فهم هذه الهوية قبل الغوص في المواد الأشد خشونة.
وتزداد أهمية الإصدار أيضًا لأنه يرافقه بعد ثقافي واضح. فنسخة Bandcamp تتضمن، عند الشراء، ملف PDF أُنجز بالتعاون مع Ch’ama Native Americas، ويقدّم القصة باللغة الأيمارية. هذه الإضافة تمنح المشروع امتدادًا يتجاوز الاستماع البحت، وتربطه بالسياق اللغوي والثقافي الذي تستند إليه الفكرة الأصلية للعمل.
بهذا المعنى، لا يبدو Wak’a مجرد متابعة لألبوم لفت الأنظار في العام الماضي، بل خطوة جديدة في بناء عالم فني خاص جدًا. الثنائي يواصلان اختبار الحدود بين الفولكلور والتجريب، وبين الذاكرة والضجيج، وبين الأسطورة والتسجيل المعاصر. والنتيجة أسطوانة قصيرة لا تطلب من المستمع أن يفهم كل شيء فورًا، بل أن يدخل في الإيقاع تدريجيًا، مثل عالم يخرج للتو من العتمة.
إحصائية سريعة: يضم Wak’a ثلاث مقطوعات فقط، وتبلغ مدته الإجمالية 18.5 دقيقة.