الكونغرس الأميركي يرفض مشروعاً لتقييد العمل العسكري ضد إيران ويعيد الجدل حول صلاحيات الحرب

عاد ملف الصلاحيات الدستورية للرئيس الأميركي في القضايا العسكرية إلى واجهة النقاش السياسي في واشنطن، بعد أن رفض مجلس النواب الأميركي، يوم الخميس 5 مارس 2026، مشروع قرار كان يهدف إلى إلزام الرئيس دونالد ترامب بالحصول على تفويض من الكونغرس لأي عمل عسكري ضد إيران. وجاء التصويت بنتيجة 219 صوتاً مقابل 212، ما يعني فشل مشروع القرار واستمرار الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن حدود سلطة البيت الأبيض في اتخاذ قرارات الحرب دون موافقة تشريعية صريحة. كما أظهر السجل الرسمي لمكتب كاتب مجلس النواب أن القرار المطروح كان مرتبطاً بإزالة القوات الأميركية من أي أعمال قتالية غير مصرّح بها ضد إيران، لكنه لم يحصل على الأغلبية اللازمة للمرور.
وبحسب ما أوردته وكالة رويترز، فإن التصويت جرى إلى حد كبير على أسس حزبية، حيث وقف معظم الجمهوريين إلى جانب الرئيس ترامب، بينما دعم أغلب الديمقراطيين مشروع القرار. كما أشارت الوكالة إلى أن اثنين من الجمهوريين صوّتا لصالح المشروع، مقابل أربعة ديمقراطيين صوّتوا ضده، ما يعكس وجود تباينات محدودة داخل الحزبين، لكن النتيجة النهائية أظهرت بوضوح أن الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب ما زالت تمنح ترامب غطاءً سياسياً واسعاً في هذا الملف.
أهمية هذا التصويت لا تتعلق بإيران فقط، بل تمس واحدة من أكثر القضايا حساسية في النظام السياسي الأميركي، وهي العلاقة بين صلاحيات الرئيس وصلاحيات الكونغرس في إعلان الحرب أو توسيع العمليات العسكرية. فـ قانون صلاحيات الحرب الصادر عام 1973 وُضع أساساً للحد من قدرة الرئيس على إدخال القوات الأميركية في نزاعات مسلحة طويلة من دون العودة إلى الكونغرس. ووفق النصوص القانونية الرسمية، فإن استمرار العمليات العسكرية من دون تفويض تشريعي يخضع لقيود زمنية، بينما أوضحت رويترز أن هذا الإطار القانوني يمنح الإدارة الحالية مهلة تمتد حتى نهاية أبريل 2026 تقريباً للحصول على موافقة من الكونغرس أو إنهاء أي عمل عسكري غير مصرّح به.
وخلال النقاشات التي سبقت التصويت، اعتبر مؤيدو المشروع أن الهدف الأساسي منه ليس فقط الاعتراض على السياسة الحالية تجاه إيران، بل أيضاً إعادة التأكيد على الدور الدستوري للكونغرس في قضايا الحرب والسلم. وذكرت رويترز أن داعمي القرار قالوا إن الإدارة مطالَبة بتوضيح أسباب الدخول في المواجهة، وحدودها، وكيف يمكن أن تنتهي، بدلاً من ترك القرار العسكري مفتوحاً دون رقابة برلمانية كافية. في المقابل، رأى معارضو المشروع، ومعظمهم من الجمهوريين، أن الخطوة تحمل بعداً سياسياً أكثر من كونها نقاشاً دستورياً خالصاً، واتهموا الديمقراطيين بمحاولة استغلال الملف لمهاجمة ترامب في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
اللافت أيضاً أن مجلس النواب أقرّ، قبل التصويت على مشروع القرار مباشرة، إجراءً آخر منفصلاً يؤكد أن إيران ما زالت تُصنَّف في نظر واشنطن كدولة راعية للإرهاب، وهو ما يعكس أن المزاج العام داخل المجلس يميل إلى التشدد السياسي تجاه طهران، حتى مع وجود خلافات بشأن حدود التدخل العسكري المباشر. كما أن مجلس الشيوخ، الذي يسيطر عليه الجمهوريون كذلك، كان قد رفض هذا الأسبوع مشروعاً مشابهاً، ما جعل تمرير أي محاولة لتقييد الرئيس في هذا الملف أمراً بالغ الصعوبة في المرحلة الحالية.
وبالنسبة إلى الجاليات العربية والعربية الأميركية داخل الولايات المتحدة، فإن هذا التطور يحمل أهمية خاصة، لأن أي تصعيد عسكري في الشرق الأوسط ينعكس سريعاً على النقاش العام في الداخل الأميركي، سواء في الإعلام أو الجامعات أو التجمعات السياسية والمجتمعية. كما أن استمرار المواجهة وتوسعها يرفع مستوى القلق لدى كثير من العائلات العربية التي تتابع تطورات المنطقة بشكل يومي، خصوصاً أن رويترز أفادت بأن النزاع الجاري أدى بالفعل إلى سقوط أكثر من ألف قتيل، بينهم ستة عسكريين أميركيين على الأقل، إلى جانب اتساع نطاق الاضطراب في المنطقة. وهذا يعني أن النقاش في واشنطن لم يعد مجرد سجال قانوني حول تفسير الدستور، بل بات مرتبطاً مباشرة بتداعيات إنسانية وسياسية وأمنية أوسع.
ومن الناحية السياسية، يمنح تصويت مجلس النواب الرئيس ترامب دفعة واضحة في المدى القريب، لأنه يُظهر أن الأغلبية الجمهورية لا تزال مستعدة لدعم نهجه في السياسة الخارجية، حتى عندما ترتفع الأصوات المطالِبة برقابة أقوى من الكونغرس. لكن في الوقت نفسه، لا يُغلق هذا التصويت الملف نهائياً، لأن قانون صلاحيات الحرب يظل قائماً، والمهلة القانونية ما زالت مطروحة، كما أن أي تطور ميداني جديد قد يعيد القضية إلى الكونغرس بسرعة. ولهذا، فإن الأسابيع المقبلة ستكون مهمة جداً في تحديد ما إذا كانت الإدارة الأميركية ستسعى فعلاً إلى تفويض تشريعي، أم ستواصل الدفاع عن موقفها القائل إن الرئيس يملك أساساً قانونياً كافياً للتحرك العسكري الحالي.
في المحصلة، يكشف رفض مجلس النواب مشروع تقييد العمل العسكري ضد إيران أن واشنطن ما زالت منقسمة بين من يريد توسيع هامش حركة الرئيس في أوقات الأزمات، ومن يصر على أن قرار الحرب يجب أن يمر أولاً عبر المؤسسة التشريعية. وبالنسبة لموقع يخاطب الجالية العربية في أمريكا، فإن متابعة هذا الملف تبقى ضرورية، لأنه يمس السياسة الخارجية الأميركية، ويؤثر في صورة الشرق الأوسط داخل الخطاب السياسي الأميركي، وقد يترك آثاراً مباشرة على الجدل العام الذي يهم العرب والمسلمين والمهاجرين في الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة