ميلوني تنتقد الحرب الأمريكية على إيران وتصفها باتجاه خطير في السياسة الدولية
تصريحات ميلوني الجديدة حول حرب إيران تعكس تحولاً لافتًا في الخطاب الأوروبي، وتكشف القلق من التدخلات الأحادية وتبعاتها على القانون الدولي وأمن المنطقة.

في موقف سياسي لافت صدر اليوم، وجهت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني انتقادًا واضحًا للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، معتبرة أنها جزء من اتجاه خطير يتوسع في السياسة الدولية ويقوم على تدخلات أحادية تتجاوز قواعد القانون الدولي وتزيد من هشاشة الأمن العالمي. وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تصدر عن زعيمة أوروبية تنتمي إلى معسكر غربي حليف لواشنطن، ما يجعلها أكثر من مجرد تعليق دبلوماسي عابر. فهي تعكس قلقًا متناميًا داخل بعض الدوائر الأوروبية من أن تتحول إدارة الأزمات الدولية إلى سلسلة من التحركات العسكرية المنفردة التي تضعف الشرعية القانونية الدولية وتفتح الباب أمام سوابق يصعب احتواؤها لاحقًا.
ما قالته ميلوني مهم أيضًا لأنه يأتي في لحظة يتعرض فيها القادة الأوروبيون لضغوط متعددة في آن واحد. فمن جهة، هناك التزام سياسي وأمني عام بالعلاقات عبر الأطلسي وعدم الرغبة في إظهار انقسام غربي حاد في مواجهة أزمات الشرق الأوسط. ومن جهة ثانية، هناك إدراك أوروبي عميق بأن أي تجاوز طويل للقانون الدولي أو أي توسع غير محسوب للحرب ستكون له كلفة مباشرة على أوروبا نفسها، سواء في ملف الطاقة، أو في الاستقرار الإقليمي، أو في صورة الغرب أمام الرأي العام العالمي، أو في مبدأ المعايير القانونية التي طالما دافعت عنها العواصم الأوروبية.
لماذا يُعد موقف ميلوني لافتًا؟
لأن كثيرًا من الحكومات الأوروبية فضلت حتى الآن لغة أكثر حذرًا في التعليق على الحرب، إما عبر الدعوة إلى التهدئة، أو عبر التركيز على منع امتلاك إيران للسلاح النووي، أو من خلال صياغات عامة لا تصل إلى مستوى النقد المباشر. أما ميلوني، فقد ذهبت أبعد من ذلك عندما وصفت الحرب بأنها جزء من اتجاه خطير، وهو تعبير يحمل حكمًا سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا في آن واحد. وهذا يعني أن النقاش الأوروبي لم يعد يدور فقط حول كيفية التعامل مع إيران، بل بدأ يشمل أيضًا تقييم الوسائل التي يستخدمها الحلفاء أنفسهم، ومدى اتساقها مع المبادئ التي تقول أوروبا إنها تريد حمايتها.
كما أن حديث ميلوني يكشف عن توتر قائم داخل المعادلة الأوروبية نفسها. فإيطاليا مثل غيرها من الدول الأوروبية لا تريد لإيران أن تمتلك سلاحًا نوويًا، وتدرك ما قد يحمله ذلك من تداعيات على التوازنات الإقليمية والأمن العالمي. لكن في المقابل، ترى أن الرد على هذا الخطر لا ينبغي أن يمر تلقائيًا عبر منطق الحرب المفتوحة أو الضربات التي تتجاوز المؤسسات الدولية. وبذلك تطرح ميلوني مقاربة تقول إن الخطر الإيراني حقيقي، لكن الطريقة التي يُدار بها هذا الخطر يجب أن تظل محكومة بالقانون والتنسيق الجماعي لا بالفعل الأحادي.
البعد الأوروبي الأوسع
من الخطأ قراءة هذه التصريحات بوصفها شأنًا إيطاليًا داخليًا فقط. فالواقع أن الموقف يعكس حالة قلق أوسع في أوروبا من عودة العالم إلى منطق القوة الخشنة خارج الأطر القانونية، خاصة بعد سنوات شهدت حروبًا وأزمات كبرى أعادت طرح أسئلة الشرعية والازدواجية والمعايير المزدوجة. بالنسبة للاتحاد الأوروبي، كل سابقة من هذا النوع تضعف قدرة الغرب على مخاطبة العالم بلغة القانون، وتمنح خصومه فرصة لاتهامه بالانتقائية. ولهذا فإن كلام ميلوني يحمل رسالة إلى الحلفاء بقدر ما يحمل رسالة إلى الخصوم: أوروبا لا تريد أن يتحول الدفاع عن الأمن إلى تبرير دائم لتهميش القانون الدولي.
إضافة إلى ذلك، فإن إيطاليا نفسها معنية مباشرة بتداعيات الحرب. فالبحر المتوسط، وشمال أفريقيا، والشرق الأوسط، وأسواق الطاقة، وحركة الملاحة، جميعها مجالات تتأثر بسرعة بأي تصعيد طويل. كما أن روما تدرك أن اتساع الحرب سيعني ضغوطًا إضافية على الاستقرار الإقليمي، وعلى الأمن الأوروبي، وربما على الهجرة والأسواق والإنفاق الدفاعي. ومن هنا يمكن فهم حديث ميلوني بوصفه أيضًا دفاعًا استباقيًا عن المصلحة الإيطالية والأوروبية، لا مجرد موقف نظري حول القانون الدولي.
هل يشير ذلك إلى تصدع غربي؟
ليس بالضرورة بالمعنى المباشر، لكنه يكشف بوضوح أن وحدة الموقف الغربي ليست كتلة صلبة تمامًا. فهناك مستويات مختلفة من القلق، ودرجات متفاوتة من الاستعداد لتأييد النهج العسكري، وحساسيات أوروبية خاصة تجاه تبعات الأزمات الممتدة. وقد لا يتحول هذا التباين إلى صدام علني واسع، لكنه يؤثر في لغة البيانات، وفي طبيعة التنسيق، وفي السقف الذي يمكن أن تذهب إليه العواصم الأوروبية في دعم استمرار التصعيد. وكلما طال أمد الحرب وازدادت كلفتها، زادت أهمية هذه الفروق الصغيرة وتحولت إلى عناصر مؤثرة في القرار السياسي.
بالنسبة للقارئ العربي، يقدم موقف ميلوني مؤشرًا مهمًا على أن النقاش في أوروبا بدأ يتجاوز السؤال التقليدي حول إيران إلى سؤال موازٍ حول شرعية الوسائل المستخدمة ضدها. وهذا تطور له وزنه، لأن صورة الحرب في العواصم الأوروبية ستؤثر في القرارات المقبلة، وفي قدرة واشنطن وحلفائها على الحفاظ على دعم متماسك، وفي الطريقة التي سيُعاد بها تعريف حدود التدخل المشروع في النظام الدولي. لذلك فإن خبر اليوم لا يتعلق فقط بإيطاليا، بل بملامح نقاش أوروبي أكبر قد يزداد وضوحًا كلما استمرت الأزمة.
المصدر الأصلي: Reuters – 11 مارس 2026