ضغوط في الكونغرس على روبيو لتشديد شروط أي اتفاق نووي أمريكي سعودي
رسالة جديدة من مشرعين أمريكيين تعيد ملف التعاون النووي مع السعودية إلى الواجهة، مع مطالب بفرض ما يسمى «المعيار الذهبي» لمنع أي مسار يمكن أن يفتح باب التخصيب أو إعادة المعالجة.

رسالة جديدة من مشرعين أمريكيين تعيد ملف التعاون النووي مع السعودية إلى الواجهة، مع مطالب بفرض ما يسمى «المعيار الذهبي» لمنع أي مسار يمكن أن يفتح باب التخصيب أو إعادة المعالجة.
الملف يعود إلى الواجهة
عاد ملف الاتفاق النووي المدني بين الولايات المتحدة والسعودية إلى الواجهة بقوة اليوم الأربعاء 18 مارس 2026، بعدما دعا 12 مشرعًا ديمقراطيًا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى الإصرار على ضمانات صارمة لمنع الانتشار النووي في أي اتفاق محتمل مع الرياض. ووفقًا لرويترز، فإن الرسالة تطالب بما يعرف في واشنطن بـ«المعيار الذهبي»، وهو الإطار الذي يمنع الدولة الشريكة من تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود المستهلك، وهما المساران اللذان يمكن أن يفتحا الباب نظريًا لتطوير قدرات مرتبطة بالسلاح النووي. أهمية هذا التطور أنه لا يأتي من فراغ، بل بعد تقارير سابقة أشارت إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تسعى إلى اتفاق لا يتضمن كل الضمانات التقليدية التي أصرت عليها الولايات المتحدة في حالات أخرى.
ما المقصود باتفاق 123 ولماذا يثير الجدل؟
الحديث هنا يدور حول ما يسمى «اتفاق 123»، وهو الإطار القانوني الأمريكي المنظم لتبادل التكنولوجيا والخبرة والمواد في المجال النووي المدني مع الدول الأخرى. من الناحية النظرية، يمكن لهذا النوع من الاتفاقات أن يفتح باب التعاون في بناء محطات توليد الكهرباء وتطوير البنية التحتية للطاقة. لكن الجدل يبدأ عندما يتجاوز التعاون حدود التوليد السلمي إلى النقاش حول التخصيب أو إعادة المعالجة. رويترز نقلت أن منتقدي المسار الحالي داخل الكونغرس يخشون أن تؤدي الصياغة المقترحة إلى ترك مساحة واسعة أمام السعودية للمطالبة مستقبلاً بحقوق نووية حساسة، وهو ما يتعارض مع الموقف التقليدي الذي تعتبره واشنطن أفضل ضمانة لمنع سباق تسلح في المنطقة. وبالنسبة للقارئ العربي، فإن هذه التفاصيل ليست تقنية فقط، بل ترتبط مباشرة بموازين القوى الإقليمية، وبالرسائل السياسية المرسلة إلى إيران وإسرائيل ودول الخليج في آن واحد.
ماذا يريد المشرعون من روبيو؟
بحسب رويترز، فإن المشرعين طالبوا وزير الخارجية بإعادة النظر فورًا في أي خطة لا تلتزم بالمستوى الأعلى من الضمانات. الرسالة شددت على أن التوافق التاريخي داخل الحزبين كان يقوم على رفض منح شركاء الولايات المتحدة إمكانية تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود، لأن هذين المسارين يُنظر إليهما كعتبتين حسّاستين في دورة الوقود النووي. اللافت في هذا الجدل أن روبيو نفسه كان، عندما كان عضوًا في مجلس الشيوخ، من الأصوات التي شددت على ضرورة وجود هذه الضمانات. لذلك يرى مراقبون أن الضغوط الحالية تحاول استخدام مواقفه السابقة لتقييد أي مرونة جديدة قد تظهر من الإدارة. هذا البعد السياسي مهم جدًا لأنه يوضح أن الخلاف لا يدور فقط بين الديمقراطيين والبيت الأبيض، بل بين مواقف سابقة وحسابات حالية داخل المؤسسة الأمريكية نفسها.
لماذا تنظر واشنطن إلى الاتفاق بهذه الحساسية؟
الإدارة الأمريكية تقول، وفقًا لرويترز، إن إدخال الصناعة الأمريكية في قلب البرنامج النووي المدني السعودي يوفر ضمانات إشرافية ويحافظ على نفوذ واشنطن داخل هذا القطاع الاستراتيجي. ومن وجهة نظر المدافعين عن الاتفاق، فإن ترك الساحة لبدائل أخرى قد يدفع الرياض إلى شراكات مع قوى دولية منافسة لا تمنح الولايات المتحدة المستوى نفسه من الرقابة أو النفوذ. لكن المعترضين يرون أن هذه الحجة لا تكفي إذا كانت النتيجة النهائية هي تخفيف الضوابط التي بُنيت عليها سياسة عدم الانتشار لعقود. ويزداد الجدل حساسية مع التصريحات السابقة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، التي أشار فيها إلى أن المملكة ستسعى إلى امتلاك سلاح نووي إذا فعلت إيران ذلك. مثل هذه التصريحات تجعل أي نقاش تقني داخل واشنطن محمّلًا في الوقت نفسه بأبعاد استراتيجية وأمنية تتجاوز الورق القانوني والصياغات الدبلوماسية.
ما أهمية الخبر للجالية العربية والمتابع العربي؟
الخبر مهم جدًا لأنه يتقاطع مع أسئلة أوسع حول شكل العلاقة الأمريكية الخليجية في الولاية الحالية لترامب، وحول ما إذا كانت واشنطن تتحرك نحو تفاهمات استراتيجية أعمق مع السعودية في ملفات الطاقة والأمن والتكنولوجيا. كما أن الملف النووي لا يُقرأ عربيًا بمعزل عن إيران والحروب الجارية والتنافس الإقليمي على الردع والنفوذ. لهذا، فإن متابعة النقاش في الكونغرس تساعد القارئ على فهم كيف تُدار هذه الملفات داخل واشنطن: هل الأولوية للنفوذ الاقتصادي الأمريكي؟ أم لقيود عدم الانتشار؟ أم لمعادلة سياسية أوسع تشمل الشرق الأوسط برمته؟ وكلما ارتفع منسوب الغموض في الصياغة، ارتفع معه مستوى القلق داخل دوائر السياسة الخارجية والأمنية. ومن هنا جاءت حدة رسالة المشرعين اليوم، لأنها تريد منع أي انزلاق تدريجي نحو ترتيبات أكثر تساهلًا تحت عنوان التعاون المدني.
ماذا بعد؟
في المدى القريب، من المتوقع أن يبقى الملف مفتوحًا داخل لجان الكونغرس ووزارة الخارجية، خصوصًا إذا ظهرت مسودات أكثر تفصيلًا أو إذا سعت الإدارة إلى تسريع المفاوضات. وقد لا يؤدي الضغط الحالي إلى إغلاق الباب أمام الاتفاق، لكنه على الأرجح سيرفع كلفته السياسية ويجعل أي خطوة مقبلة خاضعة لتدقيق أعلى. بالنسبة للموقع والجمهور العربي، فإن هذا التطور يستحق المتابعة لأنه يجمع بين السياسة الأمريكية الداخلية والملفات العربية الحساسة في خبر واحد. كما أنه يقدم صورة واضحة عن الطريقة التي تؤثر بها الرسائل البرلمانية والاعتراضات الحزبية على مسارات كبرى تتعلق بأمن المنطقة لعقود مقبلة. لذلك يمكن القول إن ما حدث اليوم ليس مجرد سجال إجرائي في واشنطن، بل حلقة جديدة في معركة رسم حدود التعاون النووي في الشرق الأوسط، ومن يضع شروطه، ومن يراقب نتائجه.