الكونغرس الأمريكي يدفع بتشريع جديد لخفض تكاليف السكن وتشجيع البناء الميسّر
يتجه الكونغرس الأمريكي نحو تشريع جديد يهدف إلى خفض تكاليف السكن عبر تسريع البناء الميسّر وتوسيع التمويل والحد من شراء المستثمرين الكبار للمنازل الفردية.

في تطور اقتصادي وسياسي مهم، دفع أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس الأمريكي بتشريع جديد يهدف إلى خفض تكاليف السكن وتشجيع بناء مساكن أكثر بأسعار معقولة. أهمية هذا المشروع لا تأتي فقط من مضمونه، بل من كونه واحدًا من الملفات القليلة التي استطاعت جمع دعم واسع من الطرفين في وقت يشهد فيه الكونغرس انقسامًا حادًا حول قضايا كثيرة. والسبب واضح: أزمة السكن في أمريكا لم تعد قضية قطاعية تخص المطورين والمقرضين فقط، بل تحولت إلى واحدة من أكثر قضايا المعيشة ضغطًا على العائلات والناخبين.
هذا الخبر يهم الجالية العربية في أمريكا بشكل مباشر، لأن السكن هو البند الأكبر في ميزانية كثير من الأسر، سواء كانت مستأجرة أو تحاول شراء منزلها الأول. كما أن ارتفاع الإيجارات وأسعار المنازل خلال السنوات الأخيرة جعل الوصول إلى الاستقرار السكني أصعب، خاصة للعائلات الجديدة، والطلاب، والمهاجرين الجدد، وأصحاب الدخول المتوسطة. لذلك فإن أي تشريع يعد بتسريع البناء أو زيادة المعروض أو الحد من هيمنة المستثمرين الكبار على بعض أنواع العقارات يستحق المتابعة الجادة.
ماذا يتضمن التشريع الجديد؟
بحسب تفاصيل المشروع، فإنه يسعى إلى جعل بناء المساكن أسرع وأقل كلفة من خلال تخفيف بعض الإجراءات التنظيمية، وتحديث قواعد الإسكان المصنع أو الجاهز، وتسهيل تحويل المباني الشاغرة إلى شقق سكنية، إلى جانب توسيع قنوات التمويل للمشروعات السكنية الميسّرة. كما يتضمن توجهًا للحد من شراء الشركات الاستثمارية الكبرى لعدد متزايد من المنازل الفردية، إذ يقترح منع الشركات التي تملك أكثر من 350 منزلًا منفصلًا من شراء المزيد من هذا النوع.
الفكرة الأساسية وراء التشريع هي أن المشكلة في أمريكا ليست مجرد غلاء مؤقت، بل نقص مزمن في المعروض. التقديرات المتداولة تتحدث عن عجز يقارب 4 ملايين منزل نتيجة سنوات من ضعف البناء بعد أزمة 2008، إلى جانب قيود محلية على التوسع العمراني وارتفاع تكاليف المواد والتمويل. ولهذا فإن مجرد خفض الفائدة أو تقديم حوافز للمشترين لا يكفي وحده، إذا لم يرتفع العرض الفعلي من المنازل والشقق في السوق.
لماذا يعتبر هذا الملف شديد الأهمية الآن؟
لأن تكاليف السكن ارتفعت بنحو 60% منذ 2019 بحسب البيانات التي استند إليها النقاش في الكونغرس، ولأن نسبة سعر المنزل إلى دخل الأسرة وصلت في السنوات الأخيرة إلى مستويات أعلى بكثير مما يعتبره الخبراء مناسبًا أو ميسورًا. وهذا يعني أن مشكلة السكن لم تعد تطال الشرائح الفقيرة فقط، بل امتدت إلى الطبقة المتوسطة والموظفين والعائلات التي كانت قبل سنوات قادرة على الشراء أو الاستئجار بسهولة أكبر. ولهذا أصبحت أزمة السكن جزءًا من النقاش اليومي حول “تكلفة المعيشة” في أمريكا.
النقطة المهمة هنا أن التشريع لا يعد بحل سحري أو سريع. حتى داعموه يقرون بأنه مجرد خطوة أولى، لأن بناء مساكن جديدة يحتاج وقتًا، وتعديل التشريعات المحلية في الولايات والبلديات ليس أمرًا بسيطًا، كما أن بعض البنود قد تواجه اعتراضًا من جماعات مصالح مختلفة. لكن مجرد وجود توافق سياسي واسع حول ضرورة زيادة المعروض السكني وكبح بعض ممارسات الشراء المؤسسي يمثل تحولًا لافتًا مقارنة بالسنوات السابقة.
بالنسبة للعائلات العربية، فإن أثر هذا المشروع — إذا أُقرّ ونُفذ بفاعلية — قد يظهر على المدى المتوسط في صورة خيارات أكثر للمستأجرين والمشترين، وضغط أقل على الأسعار، وفرص أوسع للوصول إلى سكن يناسب الدخل. أما على المدى القريب، فهو يرسل رسالة مهمة مفادها أن أزمة السكن أصبحت معترفًا بها سياسيًا على أعلى مستوى، وأن الضغط الشعبي على ملف القدرة الشرائية بدأ يدفع المشرعين إلى التحرك. ولهذا فإن متابعة هذا التشريع مهمة، لا بوصفه خبرًا في الكونغرس فقط، بل بوصفه خبرًا عن أحد أهم البنود التي تحدد جودة حياة الأسرة في أمريكا.