زلزال تشريعي في فلوريدا: حقيقة القانون HB 1471 ومساعي دي سانتيس لتقييد “القوانين الأجنبية”

زلزال تشريعي في فلوريدا: حقيقة القانون HB 1471 ومساعي دي سانتيس لتقييد “القوانين الأجنبية”
شهدت الأروقة السياسية في ولاية فلوريدا الأمريكية حالة من الاستنفار والجدل الواسع عقب تداول تقارير حول توقيع الحاكم الجمهوري رون دي سانتيس على حزمة تشريعات أمنية وصفت بأنها الأكثر صرامة في تاريخ الولاية. القانون الذي حمل الرمز HB 1471، وضع النقاط على الحروف فيما يخص مرجعية النظام القضائي، وسط اتهامات من جماعات حقوقية باستهداف صريح لمنظومات دينية بعينها، وعلى رأسها الشريعة الإسلامية.
سياق التشريع الجديد: السيادة للدستور فقط
يأتي هذا التحرك التشريعي في وقت حساس تمر به الولايات المتحدة، حيث يسعى الجناح المحافظ في الحزب الجمهوري إلى تعزيز ما يسمى بـ “الأمن التشريعي”. ينص القانون الجديد، وفقاً للمسودات المسربة والنقاشات الدائرة، على منع محاكم ولاية فلوريدا بشكل قطعي من الاعتراف أو تطبيق أي أحكام قانونية مستمدة من أنظمة أجنبية أو دينية إذا كانت تتصادم مع المبادئ الأساسية لـ الدستور الأمريكي.
وعلى الرغم من أن الدستور الأمريكي يمنع بالفعل تغليب أي قانون أجنبي على القانون الوطني، إلا أن الحاكم دي سانتيس يرى أن “الوضوح التشريعي” ضروري لمنع ما يصفه بـ “التسلل القانوني الأجنبي” إلى القضاء الأمريكي. هذا الخطاب لقي صدى كبيراً لدى قاعدته الانتخابية، لكنه أثار حفيظة الجاليات المسلمة والمنظمات الحقوقية التي اعتبرت الإشارة إلى “الشريعة الإسلامية” محاولة لشيطنة مكون أساسي من مكونات المجتمع.
بنود مثيرة للجدل: من القضاء إلى الجامعات
ما يميز القانون HB 1471 عن غيره من القوانين السابقة، هو شمولية بنوده التي لم تتوقف عند حدود قاعات المحاكم، بل امتدت لتشمل:
1. تصنيف المنظمات الإرهابية
يمنح القانون سلطات الولاية، وبشكل مستقل عن الحكومة الفيدرالية، القدرة على تصنيف كيانات أو منظمات محلية أو دولية كـ “منظمات إرهابية” أو “داعمة للإرهاب”. هذا التفويض يمنح المدعي العام في فلوريدا صلاحيات واسعة لتجميد أصول هذه المنظمات وملاحقة الداعمين لها قضائياً داخل حدود الولاية.
2. التطهير الأكاديمي والنشاط الطلابي
لعل البند الأكثر خطورة هو الذي يستهدف المؤسسات التعليمية. ينص التشريع على إمكانية فرض عقوبات إدارية تصل إلى الفصل النهائي للطلاب الذين يثبت تورطهم في نشاطات تروج لمنظمات مصنفة إرهابية. وقد اعتبرت الأوساط الأكاديمية هذا البند بمثابة “سيف مسلط” على رقاب حرية التعبير والبحث العلمي داخل الحرم الجامعي.
ردود الأفعال: صدام مع التعديل الأول
لم يتأخر الرد من جانب المنظمات الحقوقية، وعلى رأسها الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU) ومجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (CAIR). حيث أكدت هذه المنظمات أن قانون فلوريدا الجديد يمثل انتهاكاً صارخاً لـ التعديل الأول للدستور، الذي يحمي حرية المعتقد والممارسة الدينية.
يقول فقهاء قانونيون إن محاولة “حظر الشريعة” هي معركة سياسية أكثر منها قانونية، لأن المحاكم الأمريكية لا تطبق الشريعة أصلاً كبديل للقانون المدني، بل يتم اللجوء إليها في حالات التحكيم الاختياري أو العقود الخاصة التي لا تخالف القانون العام. وبالتالي، فإن نص القانون يعتبره البعض “تحصيلاً لحاصل” يهدف فقط إلى تحقيق مكاسب انتخابية.
تداعيات القانون على الجاليات والمستثمرين
لا تتوقف آثار القانون HB 1471 عند الجانب الحقوقي، بل تمتد لتشمل الجانب الاقتصادي. ففلوريدا ولاية جاذبة للاستثمارات الدولية، وكثير من المستثمرين من دول الشرق الأوسط وآسيا يعتمدون في تعاملاتهم الأسرية (مثل الميراث والزواج) على قوانين مستمدة من خلفياتهم الثقافية والدينية. التضييق في هذا الجانب قد يخلق بيئة قانونية “غير مريحة” لبعض المستثمرين الأجانب الذين يخشون من عدم الاعتراف بعقودهم القانونية المبرمة خارج الولايات المتحدة.
خلاصة القول: فلوريدا إلى أين؟
يبقى التساؤل القائم: هل سيصمد قانون رون دي سانتيس أمام الطعون القانونية في المحاكم العليا؟ التاريخ يشير إلى أن قوانين مشابهة تم إبطالها جزئياً في ولايات أخرى مثل أوكلاهوما بسبب تعارضها مع الحرية الدينية. ومع ذلك، فإن إصرار ولاية فلوريدا على المضي قدماً في هذا المسار يؤكد أن المعركة على “هوية القانون الأمريكي” ستظل مشتعلة لسنوات قادمة.