أكثر من 990 احتجاجاً حول العالم مع اتساع تداعيات الحرب على إيران
الاحتجاجات المرتبطة بالحرب على إيران تتسع في عشرات الدول، ما يعكس انتقال الصراع من الميدان العسكري إلى الشارع العالمي والرأي العام الدولي.

لم تعد الحرب على إيران حدثًا عسكريًا يُتابع فقط من خلال بيانات الجيوش وحركة الطائرات والصواريخ، بل أصبحت أيضًا أزمة سياسية عالمية تتجلى بوضوح في الشوارع والساحات العامة والجامعات والمدن الكبرى. ووفق بيانات نُشرت اليوم، تم تسجيل أكثر من 990 احتجاجًا ومظاهرة حول العالم خلال فترة قصيرة مرتبطة بتداعيات الحرب، وهو رقم يكشف أن الصراع تجاوز حدود المنطقة وأصبح موضوعًا حيًا في الرأي العام الدولي. والأهم من ذلك أن هذه الاحتجاجات لم تتخذ اتجاهًا سياسيًا واحدًا، بل عكست انقسامًا واسعًا في المواقف بين من يرفض الحرب ويخشى تمددها، ومن يرى في الضغط على إيران ضرورة استراتيجية، ومن يركز على ملف القمع الداخلي داخل إيران نفسها.
هذا التنوع في الشارع مهم جدًا لأنه يوضح أن العالم لا ينظر إلى الأزمة من زاوية واحدة. ففي بعض المدن خرجت مظاهرات ترفض الضربات الأمريكية والإسرائيلية وتحذر من كارثة إنسانية واقتصادية وسياسية أوسع، بينما شهدت مدن أخرى تجمعات لتيارات إيرانية معارضة رأت في إضعاف النظام فرصة تاريخية. وفي دول الشرق الأوسط وجنوب آسيا، اتخذت بعض التحركات طابعًا أكثر حساسية وأحيانًا أكثر توترًا، ما يؤكد أن امتدادات الحرب تختلف من مجتمع إلى آخر بحسب تركيبته السياسية وذاكرته وخلفياته المذهبية أو القومية أو الجيوسياسية.
عندما يتحول الشارع إلى ساحة موازية للحرب
عادة ما تكون الاحتجاجات مؤشرًا على أن الأزمة لم تعد شأنًا خارجيًا بعيدًا، بل أصبحت جزءًا من النقاش الداخلي في كل بلد. وهذا ما يحدث الآن. ففي الولايات المتحدة مثلًا، تضع التظاهرات الإدارة الأمريكية أمام سؤالين في وقت واحد: سؤال الأمن والسياسة الخارجية، وسؤال الكلفة الداخلية الاقتصادية والأخلاقية والسياسية. وفي أوروبا، تضيف المظاهرات طبقة جديدة من التعقيد، لأن عدداً من العواصم يضم جاليات إيرانية كبيرة ومتنوعة التوجهات، إلى جانب حركات تضامن ومنظمات حقوقية وتيارات سياسية متعارضة في فهم ما يجري. ومع اتساع دائرة الاحتجاج، تصبح الحكومات مضطرة إلى إدارة الشارع كما تدير المواقف الدبلوماسية، وهو ما يحول المدن الغربية إلى ساحة موازية للصراع نفسه.
هذا البعد ليس ثانويًا على الإطلاق. فالرأي العام يمكن أن يؤثر في قرارات الحكومات، ويضغط على البرلمانات، ويعيد تشكيل اللغة الإعلامية، بل ويحدد أحيانًا السقف الذي تستطيع به الحكومات مواصلة سياساتها أو تعديلها. وإذا استمرت الحرب وارتبطت بارتفاع الأسعار والوقود والتوتر الأمني، فإن الاحتجاجات قد تنتقل من التعبير الرمزي إلى أداة ضغط سياسي أكثر مباشرة. وهذا ما يفسر لماذا تتابع الحكومات الغربية هذه التحركات بحذر شديد، خصوصًا عندما يكون هناك احتمال لاحتكاكات بين مؤيدين ومعارضين أو عندما يتقاطع الملف الخارجي مع حساسيات داخلية متراكمة.
ما الذي تكشفه الأرقام الجديدة؟
تكشف الأرقام أن الحرب على إيران لم تعد قابلة للحصر في عناوين الشرق الأوسط وحده. فعندما يسجل العالم خلال أيام معدودة هذا العدد الكبير من الاحتجاجات، فهذا يعني أن السردية السياسية حول الصراع باتت تُبنى في عشرات الدول في الوقت نفسه. كما تكشف الأرقام أن المنطقة نفسها ما تزال الأكثر حساسية تجاه ما يجري، لكن اللافت أن الولايات المتحدة أيضًا شهدت تحركات في مدن رئيسية، الأمر الذي يعكس حجم التفاعل الشعبي الأمريكي مع الحرب، سواء من زاوية رفض الانخراط العسكري، أو من زاوية القلق من التبعات الاقتصادية، أو من زاوية الموقف من إيران والنظام الإيراني.
ولا يقتصر أثر هذه الاحتجاجات على الحكومات المركزية فقط، بل يمتد إلى الجامعات والنقابات والمجالس المحلية والمنصات الرقمية ودوائر الإعلام. ففي عصر الشبكات الاجتماعية، تتحول كل مظاهرة تقريبًا إلى مادة قابلة للتداول والتحليل والتسييس، ما يمنح الشارع قدرة أكبر على تجاوز الحدود الجغرافية. ولذلك فإن أي احتجاج في مدينة ما يمكن أن يصبح عنصرًا في نقاش سياسي في مدينة أخرى، وأن يغذي خطابًا أو حملة أو دعوة لتحرك مماثل.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي؟
لأن القارئ العربي لا يتابع فقط ما يحدث في سماء المنطقة، بل أيضًا كيف ينعكس ذلك على العواصم التي تؤثر في القرار الدولي. فالاحتجاجات العالمية تكشف أن الحرب على إيران ليست مجرد نزاع بين دول، بل قضية عالمية تتنازعها روايات متعددة: رواية الأمن والردع، ورواية القانون الدولي، ورواية حقوق الإنسان، ورواية الخوف من الانزلاق إلى حرب أوسع. وكلما اتسعت هذه الروايات في الشارع، زادت صعوبة فرض تفسير أحادي لما يجري.
في النهاية، يوضح خبر اليوم أن الحرب حين تطول لا تبقى حبيسة غرف العمليات. إنها تنتقل إلى الشوارع، إلى أسعار الطاقة، إلى الانتخابات، إلى النقاشات الإعلامية، وإلى صورة الدول عن نفسها أمام شعوبها. ومن هنا فإن موجة الاحتجاجات الحالية ليست مجرد تفصيل جانبي، بل جزء من القصة الكبرى للصراع، وربما أحد العناصر التي ستؤثر في قرارات المراحل المقبلة إذا استمر التصعيد أو تغيرت حسابات الأطراف المعنية.
المصدر الأصلي: Reuters – 11 مارس 2026