حين تتحول أميركا من بلد المهاجرين إلى بلد الإغلاق

لطالما ارتبطت صورة الولايات المتحدة في الوعي العالمي بأنها بلد المهاجرين، وأن أبوابها ظلت، ولو بدرجات متفاوتة، مفتوحة أمام الباحثين عن فرصة جديدة وحياة أكثر استقرارًا. غير أن هذا التصور يواجه اليوم تحديًا واضحًا مع تصاعد خطاب سياسي يتعامل مع الهجرة بوصفها تهديدًا لا إضافة، وبوصفها عبئًا أمنيًا وثقافيًا أكثر من كونها جزءًا من التاريخ الأميركي نفسه.
فالقضية لم تعد تقف عند حدود النقاش التقليدي حول تنظيم الدخول أو ضبط الحدود، بل اتسعت لتشمل سؤالًا أكبر: من يحق له أن يصبح جزءًا من المجتمع الأميركي؟ ومع تصاعد الاستقطاب السياسي، تحولت الهجرة إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل الولايات المتحدة، خصوصًا عندما تُقدَّم في الخطاب العام باعتبارها سببًا مباشرًا للاضطراب أو التغيير غير المرغوب فيه.
ما يلفت الانتباه أن هذا التحول لا يطال المهاجرين غير النظاميين فقط، بل ينعكس أيضًا على نظرة المجتمع والسياسات إلى الهجرة القانونية ذاتها. فعندما يسود مناخ قائم على التضييق والتخويف، فإن أثره لا يبقى محصورًا في القوانين والإجراءات، بل يمتد إلى الحياة اليومية للعائلات المهاجرة، وإلى شعورها بالأمان، وإلى فرص اندماجها في المجتمع.
وتزداد المفارقة وضوحًا حين نتذكر أن الولايات المتحدة نفسها تشكلت عبر موجات متعاقبة من الهجرة، وأن جماعات كثيرة واجهت في بداياتها الرفض والتمييز قبل أن تصبح لاحقًا جزءًا طبيعيًا من النسيج الأميركي. لكن الخطاب الحالي في بعض دوائره يبدو أقل اهتمامًا بهذا الإرث التاريخي، وأكثر ميلًا إلى تقديم الهجرة باعتبارها مشكلة يجب احتواؤها، لا تجربة إنسانية ساهمت في بناء البلاد.
ومن هنا، تبدو قضية الهجرة اليوم أوسع من مجرد ملف انتخابي أو أمني؛ إنها اختبار لصورة أميركا عن نفسها، وللقدرة على التوفيق بين حماية القانون والحفاظ على القيم التي طالما قُدمت باعتبارها جوهر التجربة الأميركية. والسؤال الذي يبقى مطروحًا هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستواصل تعريف نفسها كبلد للفرص والاستقبال، أم أنها تمضي تدريجيًا نحو نموذج أكثر انغلاقًا وأقل ترحيبًا بالقادمين الجدد.
إعداد الموقع بتصرف وإعادة صياغة
المصدر: الجزيرة نت، مقال: “أميركا تقول لا هجرة بعد اليوم”، للكاتب جمال قاسم، منشور بتاريخ 14 ديسمبر 2025.