الجالية العربية تشعر بأن السلام أبعد من أي وقت مضى مع استمرار القلق على العائلات في لبنان
بين الدعاء والوقوف في المساجد والشموع في Peace Park، تعيش الجالية العربية في ديربورن قلقًا متواصلًا على عائلاتها في لبنان، فيما تبدو آمال السلام أبعد من أي وقت مضى.

في ديربورن، خارج ديترويت مباشرة، لم تتوقف الصلوات. فبعد مرور نحو 18 شهرًا على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ما زالت العائلات تنتظر أخبارًا من أقاربها في الخارج، وتعيش مزيجًا من الخوف والحداد مع اتساع رقعة الحرب في المنطقة. بالنسبة لكثير من اللبنانيين والعرب في المدينة، لم يعد الصراع مجرد خبر بعيد؛ بل صار جزءًا من يومياتهم.
ماذا حدث؟
تقول مصادر مجتمعية إن القلق الذي بدأ مع الحرب في غزة اتسع ليشمل لبنان، خصوصًا مع استمرار القتال بين إسرائيل وحزب الله. ورغم إعلان وقف إطلاق نار هش لمدة أسبوعين، لم يمتد ذلك إلى المواجهات بين إسرائيل وحزب الله، ما يعني أن العنف استمر في لبنان.
وتشير المعطيات الواردة في تقرير AP إلى أن الحرب أدت إلى نزوح أكثر من مليون شخص في لبنان، ووقوع أكثر من ألفي قتيل، بينهم نساء وأطفال وعاملون في المجال الطبي. كما جرت في واشنطن أول محادثات دبلوماسية مباشرة بين لبنان وإسرائيل منذ عقود.
لماذا يهم الجالية أو السكان في الولاية؟
ميشيغان تضم أكبر تجمع عربي أمريكي في الولايات المتحدة، وتحديدًا في ديربورن وما حولها. ووفقًا لما ورد، فإن نحو ربع العرب الأمريكيين في الولاية من أصول لبنانية، وفي مقاطعة Wayne التي تشمل ديترويت وديربورن، يشكل اللبنانيون نسبة كبيرة من السكان الذين يُعرّفون أنفسهم على أنهم من الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا.
هذا القرب الديموغرافي يجعل ما يحدث في لبنان حاضرًا داخل البيوت في ديربورن. فالعائلات تنتظر مكالمات من الخارج، وتعيش لحظات انتظار مؤلمة، بينما يختلط ذلك بضغط الحياة اليومية في الولايات المتحدة. وفي حديث لمؤسس Arab American Civil Rights League، نُقل أن المجتمع يرى أن الأمور كان يمكن أن تسوء أكثر—وقد حدث ذلك.
كما تتقاطع المخاوف الخارجية مع ضغوط داخلية، من بينها تشديد إجراءات الهجرة، وتحديات اقتصادية، وارتفاع التوترات بعد هجوم على كنيس يهودي مؤخرًا. بالنسبة لكثيرين، هذا يعني أن القلق لا يقتصر على الأخبار؛ بل يمتد إلى الإحساس بالأمان والاندماج في المجتمع.
ماذا نعرف حتى الآن؟
على المستوى السياسي، يوضح التقرير أن الاهتمام الإعلامي الذي كان يركز على ديربورن خلال انتخابات 2024 خفت حدته، وهدأت موجة الاحتجاجات الجماهيرية. لكن داخل المساجد وعند الوقفات التذكارية وعلى موائد العائلات، ما زالت النقاشات تدور حول ما الذي سيأتي بعد ذلك.
وفي لقاء جمع قادة عرب أمريكيين مع Associated Press، اتفق عدد منهم على أن الحياة لم تتحسن منذ تولي ترامب منصبه. ومع ذلك، لم يُظهر كثيرون ندمًا أو رغبة واضحة في التحول السياسي نحو الجمهوريين أو ترامب؛ إذ رأى بعضهم أن الديمقراطيين لم يقدموا بديلًا مقنعًا، خصوصًا مع عدم ابتعاد نائبة الرئيس آنذاك كامالا هاريس بشكل كافٍ عن دعم إدارة بايدن لحرب إسرائيل في غزة.
ومن بين الأصوات المجتمعية، قال مسؤول في مقاطعة Wayne إن انتظاره لأخبار أقاربه في لبنان يختصر تجربة يعيشها كثيرون في المدينة: انتظار مكالمة قد تحمل خبرًا مفجعًا. كما أشار تقرير AP إلى أن مسؤولين عربًا أمريكيين شاركوا في دعم هاريس في 2024، لكنهم—مثل غيرهم—يصفون الواقع الحالي بأنه بيئة قاسية يوميًا.
ما الذي يعنيه هذا محليًا؟
في ديربورن هايتس، امتلأت إحدى المساجد بالمصلين لأكثر من مئة شخص خلال صلاة الجمعة، لتتحول العبادة إلى مساحة تواصل حول ما يجري في الشرق الأوسط. ووفقًا للتقرير، تحدث إمام عن الصراع في المنطقة وانتقد تصريحات منسوبة لترامب حول تهديدات شديدة تجاه إيران، مؤكدًا أن على القادة السياسيين بناء الجسور بدل سياسات “تدمير شامل”.
وفي المساء، امتلأ Peace Park في ديربورن بأعلام لبنانية خلال وقفة تضامنية. جلس الأطفال على درجات تحمل أعلام الولايات المتحدة، ورفعوا صورًا لأطفال قُتلوا في الحرب. وتناوب متحدثون على شرح ما يجري، في رسالة مفادها أن ما يحدث ليس مجرد عنوان عابر، بل واقع يلامس حياة الناس هنا.
وتلخص إحدى المشاركات—لبنانية أمريكية—المعنى الذي يتكرر في ديربورن: ما يشاهدونه ليس بعيدًا ولا مجرد خبر؛ بل قصة تسكن عقول وقلوب من يعيشون في هذه الجالية.
في النهاية، يظل السؤال الذي يرافق الوقفات والصلوات في ديربورن واحدًا: متى يقترب السلام؟ لكن الأهم محليًا هو كيف تحافظ المدينة على تماسكها الإنساني وسط صدمات متواصلة، وكيف تظل المساجد والفعاليات المجتمعية قنوات دعم لا تنقطع.