سخرية ترامب من المسلمين في عيد الفصح لم تكن قوة… بل فرصة ضائعة للوحدة

أبريل 11, 20265 دقائق قراءةمقالات رأي





سخرية ترامب من المسلمين في عيد الفصح لم تكن قوة… بل فرصة ضائعة للوحدة

ليست المشكلة في السياسة فقط، بل أحياناً في النبرة التي تختارها السلطة عندما تتحدث إلى الناس. فالكلمات التي تصدر عن رئيس لا تبقى مجرد انفعال شخصي عابر، بل تتحول سريعاً إلى إشارة عامة: ماذا يُسمح أن يُقال؟ ومن الذي يمكن الاستهزاء به علناً؟ وما نوع الخطاب الذي يصبح مقبولاً حين يخرج من أعلى موقع في الدولة؟ من هنا، لا يبدو منشور دونالد ترامب في عيد الفصح مجرد زلة أسلوب أو نزوة إلكترونية، بل لحظة كاشفة لطريقة في التفكير تقوم على الاستفزاز بدل المسؤولية، وعلى السخرية بدل الحكمة، وعلى تغذية الانقسام بدل البحث عن نقطة لقاء.

حين تُستخدم مناسبة دينية يفترض أنها مرتبطة بالسلام والرحمة والتواضع لإرسال رسالة تحمل تهديداً وسخرية واستخفافاً بعبارة دينية يجلّها ملايين البشر، فإن القضية لا تعود مرتبطة بالذوق العام فقط. إنها تصبح مسألة أخلاقية وسياسية في آن واحد. لأن الرئيس هنا لا يسيء إلى خصوم سياسيين فحسب، بل يفتح الباب أمام نوع من الاستخفاف بالمقدسات الدينية لجماعة كاملة، ويبعث برسالة ضمنية مفادها أن مشاعر هذه الفئة يمكن التعامل معها كأداة للمكايدة أو الإثارة أو الاستعراض.

العبارات الدينية ليست مجرد كلمات محفوظة. إنها جزء من الوجدان اليومي لملايين الناس، تُقال في الشكر، وفي التواضع، وفي لحظات الفرح والحزن، وفي اللغة التي تربط الإنسان بخالقه. ولهذا فإن السخرية منها ليست مجرد تعليق حاد، بل فعل يحمل معنى الإقصاء والتحقير. والأسوأ من ذلك حين تأتي هذه السخرية من شخص يفترض أنه يمثل جميع الأمريكيين، لا بعضهم، ويُفترض به أن يخفف التوترات لا أن يسكب عليها مزيداً من الوقود.

المؤلم في هذه الحادثة أنها جاءت في لحظة كان يمكن أن تكون مختلفة تماماً. كان يمكن لرئيس الولايات المتحدة أن يستخدم مناسبة عيد الفصح ليبعث برسالة وحدة بين المؤمنين، وأن يذكّر الناس بما يجمعهم أكثر مما يفرقهم، وأن يمد جسراً بين المجتمعات الدينية المختلفة في بلد متعب أصلاً من الاستقطاب والانقسام. كان يمكنه أن يقول للأمريكيين، مسلمين ومسيحيين وغيرهم، إن الاحترام المتبادل ليس ضعفاً، وإن الإيمان لا يُختبر بالاستهزاء بالآخر، بل بالقدرة على حفظ كرامته حتى عند الاختلاف. لكنه اختار طريقاً آخر: طريق الضجيج الرخيص الذي يحصد التصفيق من جمهور غاضب، ويترك خلفه مزيداً من الشروخ داخل المجتمع.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالإسلاموفوبيا لا تنمو فقط عبر السياسات الرسمية أو التصريحات المباشرة، بل تنمو أيضاً عبر التطبيع مع لغة السخرية، وعبر إظهار المسلمين كجماعة يمكن المساس برموزها بلا كلفة تُذكر. وعندما تتكرر هذه الرسائل من شخص بهذه المكانة، فإنها لا تبقى مجرد آراء فردية، بل تتحول إلى مظلة نفسية وأخلاقية لمن يريد أن يحتقر أو يهمش أو يخوف. هكذا تبدأ الكراهية: ليس دائماً بقرارات ضخمة، بل أحياناً بنكتة مسمومة، أو منشور متعجرف، أو استهزاء محسوب الغرض منه أن يقول للناس إن احتقار الآخر مباح ما دام يحقق ربحاً سياسياً.

المدافعون عن هذا النوع من الخطاب غالباً ما يصفونه بالصراحة أو الجرأة أو كسر اللياقة السياسية. لكن المشكلة أن هناك فرقاً واضحاً بين الصراحة وبين الإهانة، وبين الجرأة وبين التعمد في الاستفزاز، وبين مخاطبة الناس بوضوح وبين تحقير ما هو مقدس لديهم. ليست القيادة في أن تقول ما تشاء لأنك قادر على ذلك، بل في أن تعرف متى يصبح ضبط اللغة جزءاً من ضبط السلطة نفسها. فالزعيم الذي لا يعرف حدود كلماته، هو في النهاية زعيم يطلق إلى المجال العام رسائل لا يمكنه التحكم بعواقبها.

ثم إن السخرية من المسلمين في هذا السياق لا تكشف فقط موقفاً من الإسلام، بل تكشف أيضاً عجزاً عن فهم أمريكا نفسها. هذه البلاد ليست كتلة واحدة مغلقة، بل نسيج متنوع من معتقدات وثقافات وتجارب. وقيمتها الأخلاقية والسياسية كانت دائماً، في أفضل لحظاتها، في قدرتها على أن تجعل المختلفين يعيشون معاً تحت سقف قانون واحد وكرامة واحدة. لذلك فإن أي خطاب يستهين بجماعة دينية أو يختبر شعبيته من خلال جرحها، لا يطعن تلك الجماعة وحدها، بل يطعن الفكرة الأمريكية ذاتها كما يحب الأمريكيون أن يتخيلوها عن أنفسهم.

كان يمكن لترامب، لو أراد فعلاً أن يبدو قوياً، أن يختار لغة أرقى. لأن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى الاستهزاء بالمقدسات، ولا إلى دغدغة مشاعر العداء، ولا إلى تحويل المناسبات الدينية إلى ساحات استعراض سياسي. القوة الحقيقية تظهر حين يعرف المسؤول كيف يختلف من دون أن يهين، وكيف يواجه من دون أن يحقر، وكيف يتحدث من موقع السلطة من دون أن يفقد المعنى الأخلاقي للكلمة.

في النهاية، ما يجعل هذا المنشور مستفزاً ليس فقط محتواه، بل رمزيته. لقد جاء في يوم يحمل معنى روحياً كبيراً للمسيحيين، وكان يمكن أن يكون مناسبة لتذكير الناس بالمحبة والغفران والتواضع. لكنه تحول إلى مشهد آخر تماماً: خطاب يستهين بجماعة دينية، ويمنح الانقسام جولة جديدة، ويبرهن مرة أخرى أن بعض السياسيين لا يرون في المناسبات العامة فرصة لبناء المشترك، بل فرصة لتوسيع الاصطفاف.

لهذا فإن ما حدث لم يكن مجرد منشور سيئ. كان فرصة ضائعة. فرصة لأن يقول رئيس دولة شيئاً يليق بالمناسبة، ويليق بالدور، ويليق ببلد يزعم أنه يدافع عن الحرية الدينية. لكنه بدل ذلك اختار الطريق الأسهل والأخطر معاً: أن يكسب لحظة ضجيج، ويخسر معنى الوحدة.


مقالات ذات صلة من موقعك

المصدر: إعادة صياغة عربية لمقال رأي منشور في Sahan Journal بعنوان Opinion: Trump’s Easter post mocking Muslims was a missed chance for unity بقلم Zafar Siddiqui.

مقالات ذات صلة

مواد إضافية مرتبطة بموضوع هذا المقال.