إلى متى يبرر أنصار ترامب كل شيء مقابل القضاة والتخفيضات الضريبية؟

أبريل 11, 20266 دقائق قراءةمقالات رأي





إلى متى يبرر أنصار ترامب كل شيء مقابل القضاة والتخفيضات الضريبية؟

في السياسة، لا تكون المشكلة دائمًا في السياسي وحده، بل أحيانًا في الجمهور الذي يقرر أن كل شيء يمكن احتماله ما دام “يحقق لنا بعض المكاسب”. وهنا تحديدًا تكمن إحدى أخطر أزمات اللحظة الأمريكية الراهنة: ليس فقط ما يقوله دونالد ترامب أو يفعله، بل عدد الذين ما زالوا مستعدين لتبرير هذا كله وكأنه صفقة مقبولة، أو شر لا بد منه، أو ثمن معقول مقابل بعض القضاة، وبعض التخفيضات الضريبية، وبعض الانتصارات الثقافية في معارك الهوية والانقسام.

الأسئلة التي كان ينبغي أن تكون محسومة أخلاقيًا باتت اليوم مطروحة بطريقة مقلقة: إلى أي حد يمكن للناس أن يواصلوا فصل السلوك عن النتائج؟ وإلى متى يستطيعون إقناع أنفسهم بأن الفوضى، والتطرف، والإهانة، والاندفاع، والتلاعب بالحقيقة، كلها مجرد تفاصيل ثانوية يمكن وضعها جانبًا لأن “المهم” هو أن المشروع السياسي ما زال يحقق لهم بعض ما يريدون؟

هذه ليست مجرد مسألة حزبية عادية. إنها مسألة تتعلق بحدود ما يمكن للمجتمع أن يتسامح معه قبل أن يفقد معناه الأخلاقي. لأن التبرير المستمر لا يبقى في حدود الدفاع عن سياسي مفضل، بل يتحول مع الوقت إلى تآكل بطيء في المعايير نفسها. ما كان يُعد قبل سنوات غير مقبول تمامًا، يصبح اليوم قابلاً للنقاش. وما كان يستوجب إدانة واضحة، يصبح فجأة مادة للتأويل والمراوغة والتخفيف. وهكذا لا يتغير السياسي فقط، بل يتغير مناصروه معه، وتصبح المشكلة أعمق من شخص واحد بكثير.

لقد اعتاد كثير من أنصار ترامب على استخدام كلمة واحدة لتفسير كل شيء: “نُجزّئ”. نفصل هذا عن ذاك. نتجاهل هذه الإهانة لأن هناك قضاة مهمين. نمرر هذا الانقسام لأن هناك تخفيضات ضريبية. نتحمل هذا الاندفاع لأن البديل، في نظرهم، أسوأ. لكن إلى أين يقود هذا المنطق في النهاية؟ حين يصبح كل شيء قابلاً للتجزئة، وكل تجاوز قابلاً للتبرير، وكل خطاب متطرف مجرد تفصيل صغير في صفقة أكبر، فإن السياسة تتحول من مجال للمفاضلة الأخلاقية إلى سوق صفقات بلا حدود.

المشكلة أن هذا النوع من التبرير لا يبقى محصورًا في الدفاع عن القرارات الاقتصادية أو الخيارات القضائية. بل يمتد تدريجيًا ليشمل اللغة، والسلوك، والتحريض، والاستعراض، والعداء للمؤسسات، والاستخفاف بالحلفاء، والتغذية المستمرة للانقسام الداخلي. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: ماذا فعل ترامب هذه المرة؟ بل: ماذا بقي لدى أنصاره من خطوط حمراء أصلًا؟ ما الذي لم يعودوا مستعدين للتسامح معه؟ وما الحد الذي عنده يقولون أخيرًا إن الكلفة صارت أعلى من كل المكاسب؟

الأخطر في هذا المشهد أن التبرير لا يعود مجرد موقف دفاعي، بل يتحول إلى هوية سياسية قائمة بذاتها. أي أن بعض الناس لم يعودوا يدافعون عن ترامب لأنه الأفضل، بل لأن الاعتراف بخطئه صار بالنسبة إليهم اعترافًا بخطأ سنوات كاملة من الحماسة والاصطفاف والولاء. لذلك يصبح التراجع صعبًا، ويصبح الإنكار أسهل، ويصبح اختراع الأعذار أكثر راحة من مواجهة الحقيقة. وهكذا لا يُحمى الزعيم فقط، بل تُحمى الذات أيضًا من الإحراج والانكسار.

لكن الديمقراطيات لا تنهار فقط عندما يظهر فيها قادة خطيرون، بل أيضًا عندما ينجح هؤلاء القادة في تدريب جمهورهم على تقبل ما كان يُعد سابقًا شاذًا أو مشينًا أو خطيرًا. الخطر ليس في التصريح الأول وحده، بل في اعتياد الناس عليه. وليس في الإهانة الأولى وحدها، بل في الضحكة التي تأتي بعدها. وليس في الكذبة الأولى وحدها، بل في الجهد الجماعي المبذول لتسويقها أو تبريرها أو التعامل معها كأنها جزء طبيعي من اللعبة.

قد يظن البعض أن كل هذا مبالغة، وأن السياسة الأمريكية كانت دائمًا قاسية، وأن لكل معسكر تناقضاته ومصالحه وحساباته. وهذا صحيح إلى حد ما. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين المساومة السياسية المعروفة، وبين الوصول إلى مرحلة يصبح فيها أي شيء تقريبًا قابلًا للقبول ما دام يخدم الهدف القبلي للحظة. عندها لا تبقى السياسة ساحة تنافس، بل تصبح اختبارًا لمدى استعداد الجمهور للتخلي عن معاييره الأساسية.

ولا يتعلق الأمر هنا فقط بترامب كرجل أو كمرشح أو كرئيس. بل يتعلق بما يفعله هذا النمط من الولاء المشروط شكليًا والمطلق عمليًا في بنية المجتمع كله. لأن الناس حين يتعلمون تبرير كل شيء من أجل “النصر”، فإنهم لا يخسرون فقط معركة الأخلاق، بل يخسرون أيضًا القدرة على محاسبة من يدّعون أنهم يؤيدونه من أجل المصلحة العامة. ومن دون محاسبة، لا تبقى ديمقراطية حقيقية، بل مجرد قبائل سياسية يتبادل كل طرف فيها الأعذار لقادته، ويطلب من الآخرين وحدهم أن يكونوا ملائكة.

السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بوضوح ليس فقط: ما الذي قاله ترامب؟ ولا حتى: ماذا سيفعل لاحقًا؟ بل: ما الذي ما زال أنصاره مستعدين لقبوله؟ ما الذي ما زالوا قادرين على تسميته “صفقة مقبولة”؟ وما الذي تبقى من اللغة الأخلاقية والسياسية التي كانت يومًا ما تضع حدودًا فاصلة بين الممكن والمرفوض؟ لأن المجتمعات لا تضيع فقط حين يندفع قادتها، بل أيضًا حين يتعلم مؤيدوهم أن يصفقوا لكل اندفاع، أو على الأقل أن يجدوا له عذرًا محترمًا.

وفي النهاية، قد يكون السؤال الأكثر إزعاجًا هو أيضًا الأبسط: إذا لم يكن كل ما جرى حتى الآن كافيًا لإعادة التفكير، فما الذي سيكون كافيًا؟ ومتى يتوقف بعض الناخبين عن إقناع أنفسهم بأنهم يستطيعون الحصول على المكاسب التي يريدونها، من دون أن يدفع البلد كله ثمن الفوضى والانقسام وتآكل المعايير؟

ربما المشكلة الأكبر لم تعد في ترامب وحده، بل في العادة السياسية التي صنعها حوله: عادة التبرير، والتقسيط الأخلاقي، وتأجيل الاعتراض إلى أجل غير معلوم. وهذا، في النهاية، أخطر من أي منشور أو خطاب أو تصريح. لأنه يعني أن الأزمة لم تعد أزمة زعيم فقط، بل أزمة جمهور قرر أن يساوم على ما كان يُفترض أنه غير قابل للمساومة أصلًا.


مقالات ذات صلة من موقعك

المصدر: إعادة صياغة عربية لمقال رأي بعنوان An open letter to Trump voters للكاتبة S.E. Cupp.

مقالات ذات صلة

مواد إضافية مرتبطة بموضوع هذا المقال.