حديث ترامب عن هرمز ليس استراتيجية… بل منطق جباية يهدد مكانة أمريكا

أبريل 10, 20265 دقائق قراءةمقالات رأي

حديث ترامب عن هرمز ليس استراتيجية… بل منطق جباية يهدد مكانة أمريكا

ليست كل الأفكار الصادمة دليلاً على الجرأة، وليست كل اللغة الحادة علامة على وجود استراتيجية. أحياناً تكشف التصريحات المستفزة شيئاً أبسط بكثير: غياب الفهم العميق لطبيعة القوة نفسها. وهذا ما يبدو واضحاً في الحديث المنسوب إلى دونالد ترامب عن مضيق هرمز، حين جرى التعامل مع واحد من أهم الممرات البحرية في العالم وكأنه مشروع جباية أو صفقة يمكن تحويلها إلى مصدر ربح مباشر.

المشكلة في هذا الطرح لا تكمن فقط في غرابته السياسية أو في وقعه الإعلامي، بل في أنه يصطدم مع أحد أكثر المبادئ رسوخاً في الاستراتيجية الأمريكية الحديثة: الولايات المتحدة لم تصبح القوة الأهم في العالم لأنها أقامت حواجز على طرق التجارة، بل لأنها كرّست نفسها، لعقود، باعتبارها الضامن الأكبر لانسياب التجارة وحرية الملاحة واستقرار البحار المفتوحة.

هذا الفرق جوهري. فالدولة العظمى لا تُقاس فقط بما تملكه من حاملات طائرات وصواريخ وقواعد، بل أيضاً بالتصور الذي تطرحه للنظام الدولي. هل هي قوة تبني نظاماً تستفيد منه هي والآخرون معاً؟ أم قوة تتعامل مع كل نقطة نفوذ على أنها فرصة لتحصيل الرسوم وابتزاز المرور وبيع الحماية؟ حين ننظر إلى مضيق هرمز بهذه العدسة، نفهم سريعاً لماذا يبدو هذا النوع من الكلام بعيداً عن التفكير الاستراتيجي وقريباً جداً من عقلية التاجر الذي يرى العالم سلسلة من الصفقات القصيرة لا شبكة مصالح طويلة المدى.

مضيق هرمز ليس ممراً محلياً صغيراً يمكن التلاعب به بلا تبعات. إنه شريان حساس للطاقة والتجارة الدولية، وأي حديث عن تحويله إلى بوابة “تحكم وربح” لا يثير فقط أسئلة أخلاقية أو دبلوماسية، بل يهز الفكرة التي بنت عليها واشنطن جزءاً كبيراً من نفوذها العالمي. فالقوة الأمريكية، في صورتها الكلاسيكية، لم تكن مجرد قوة تفرض ذاتها بالقسر، بل قوة قدّمت نفسها كحارس لنظام دولي يسمح بحرية الحركة والتبادل والانفتاح.

قد يصف البعض هذا المنطق بالمثالية، لكنه في الحقيقة كان دائماً من أكثر أشكال الواقعية فائدة لأمريكا. لأن واشنطن لم تكن تحمي حرية الملاحة مجاناً بالمعنى الساذج للكلمة، بل كانت تفعل ذلك لأنها تعرف أن العالم المفتوح يخدمها أكثر من العالم المفكك. التجارة الحرة، سلاسل الإمداد المستقرة، والأسواق الآمنة، كلها عناصر جعلت أمريكا في قلب النظام الدولي، لا على هامشه. ومن هنا، فإن تحويل هذا الدور من “ضامن للممرات” إلى “متعهد جباية” ليس تطوراً ذكياً، بل انحدار في فهم المصلحة الأمريكية نفسها.

الأخطر أن هذا التفكير يخلط بين النفوذ والابتزاز. النفوذ الحقيقي يجعل الآخرين يقبلون قيادتك لأنهم يرون في وجودك استقراراً وقيمة مضافة. أما الابتزاز فيدفعهم إلى التعاون معك مضطرين، وهم يبحثون في الوقت نفسه عن طرق للهروب منك أو تقليص الاعتماد عليك. وبين النموذجين، هناك فارق هائل في الاستدامة. فالولايات المتحدة لم تُبن مكانتها على كونها “الحارس الذي يمد يده عند كل بوابة”، بل على كونها القوة التي أقنعت العالم بأن بقاء الطرق البحرية مفتوحة مصلحة عامة كبرى.

لهذا يبدو منطق الرسوم والصفقات في هرمز قصير النظر إلى حد خطير. فهو قد يمنح صاحبه شعوراً بالقوة اللحظية، وقد يبدو لبعض أنصار الشعبوية دليلاً على “الصلابة” و”جلب المال”، لكنه في الجوهر يضرب مصدر قوة أعمق بكثير: الشرعية الدولية، الثقة بالحليف الأمريكي، والاقتناع بأن الولايات المتحدة ما تزال تفكر كقوة مسؤولة عن النظام، لا كطرف يريد أن يقتطع حصته من كل أزمة.

ثم إن المفارقة تصبح أكثر حدة حين يكون الحديث عن شراكة أو تنسيق مع نظام لطالما صُوِّر في الخطاب الأمريكي الرسمي باعتباره خصماً ومصدراً للتهديد وعدم الاستقرار. فإذا كانت إيران تُقدَّم للرأي العام الأمريكي بوصفها دولة راعية للتصعيد والإرباك الإقليمي، فكيف يتحول الكلام فجأة إلى تصور أقرب إلى “الإدارة المشتركة” أو “البوابة المشتركة” لمضيق بهذه الحساسية؟ هنا لا يظهر فقط التناقض الأخلاقي والسياسي، بل يظهر أيضاً غياب الانسجام بين الخطاب والغرض والاستراتيجية.

في السياسة الكبرى، ليست المشكلة فقط في أن تقول شيئاً صادماً، بل في أن تكشف من خلاله نوع العالم الذي تريد بناءه. والعالم الذي تحكمه الجباية ليس هو العالم الذي صنعت فيه أمريكا عظمتها. أمريكا صعدت عندما قدمت نفسها كضامن للممرات المفتوحة، وحين ربطت نفوذها بفكرة الاستقرار العام، لا بفكرة تحصيل الرسوم من المارين. وإذا بدأت تتصرف باعتبارها طرفاً يريد تقاضي الأثمان من كل بحر ومضيق وتحالف، فهي لا تصبح “أكثر قوة”، بل أكثر شبهاً بالقوى التي كانت في الماضي سبباً في الفوضى وعدم الاستقرار.

الاستراتيجية الحقيقية تفكر في ما بعد اللحظة. تسأل: كيف نحافظ على المكانة؟ كيف نمنع الخصوم من كسب الأرض السياسية؟ كيف نُبقي الحلفاء مقتنعين بأن قيادتنا مفيدة لهم؟ أما منطق الصفقات السريعة، فيسأل سؤالاً واحداً فقط: كم سنربح الآن؟ وبين السؤالين فرق يحدد مصير الدول الكبرى. الأولى تبني نفوذاً يدوم، والثانية تبدد رصيداً استغرق بناؤه عقوداً.

من هنا، فإن حديث ترامب عن هرمز لا يبدو مجرد زلة لسان أو مبالغة عابرة، بل نافذة على فهم مضطرب لطبيعة القوة الأمريكية. قوة واشنطن لم تكن يوماً في تحويل المضائق إلى صناديق جباية، بل في جعل البحار المفتوحة جزءاً من صورة أمريكا عن نفسها وعن دورها في العالم. وكلما ابتعدت عن هذا المعنى، اقتربت أكثر من تقزيم نفوذها بيديها.

قد تكسب الشعارات السريعة التصفيق في الداخل لبعض الوقت، لكن الدول الكبرى لا تُدار بالتصفيق. تُدار بفهم عميق لما يجعل العالم يقبل قيادتها أصلاً. وإذا صار المبدأ هو “لنحصل على المال من كل ممر”، فلن يكون ذلك دليلاً على عظمة جديدة، بل علامة على ضيق أفق استراتيجي قد يكلّف أمريكا مكانتها أكثر مما يتخيل أصحابه.


مقالات ذات صلة من موقعك

المصدر: إعادة صياغة عربية لمقال رأي منشور في The Washington Post بعنوان Trump’s outrageous Hormuz talk shuns basic strategy بقلم Fareed Zakaria، بتاريخ 10 أبريل 2026.

مقالات ذات صلة

مواد إضافية مرتبطة بموضوع هذا المقال.