الحرب على إيران قد تكسب إسرائيل عسكرياً لكنها تخسرها سياسياً

أبريل 10, 20265 دقائق قراءةمقالات رأي

ليست كل الحروب تُقاس فقط بما تحققه في الميدان. أحياناً يبدو طرف ما متقدماً عسكرياً، لكنه في الوقت نفسه يبدأ بخسارة شيء أكثر عمقاً واستمراراً: صورته السياسية، ورصيده الأخلاقي، ودعم حلفائه على المدى البعيد. وهذا بالضبط ما يجعل الحرب على إيران مسألة معقدة بالنسبة لإسرائيل. فحتى لو استطاعت تحقيق بعض المكاسب الأمنية أو العسكرية، فإن الثمن السياسي الذي قد تدفعه في الولايات المتحدة قد يكون أكبر بكثير مما يراه البعض الآن.

المشكلة هنا ليست فقط في نتائج الحرب نفسها، بل في الطريقة التي تُفهم بها داخل المجتمع الأمريكي. فحين تتوسع الحرب، وتزداد مشاهد الدمار، ويتعمق الإحساس بأن المنطقة تدخل دورة جديدة من التصعيد، لا يبقى السؤال محصوراً في: من ضرب أولاً؟ ومن حقق الردع؟ بل يتحول إلى سؤال أكبر: كيف ينظر الأمريكيون إلى إسرائيل اليوم؟ وهل ما تزال تُرى كحليف يحتاج إلى الدعم، أم بدأت تُرى كطرف يجر المنطقة إلى مزيد من الاشتعال؟

هذا التحول في الصورة ليس أمراً هامشياً. لأنه إذا خسرت إسرائيل جزءاً من موقعها داخل الرأي العام الأمريكي، فإنها لا تخسر فقط تعاطفاً عابراً، بل قد تخسر مع الوقت البيئة السياسية التي منحتها لعقود غطاءً واسعاً في واشنطن. وهذا ما يجعل أي تراجع في المزاج الأمريكي تجاهها تطوراً ينبغي التوقف عنده بجدية، لا باعتباره مجرد موجة إعلامية عابرة.

الولايات المتحدة ليست بالنسبة لإسرائيل مجرد صديق دولي أو حليف عسكري تقليدي. إنها الركيزة الأهم في الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري، وهي الساحة التي يتحدد فيها جزء كبير من مستقبل هذا الدعم. لذلك، فإن أي شرخ متزايد في نظرة الأمريكيين إلى إسرائيل يجب أن يُقرأ باعتباره إنذاراً استراتيجياً، لا مجرد مشكلة علاقات عامة.

واللافت أن التغير في الرأي العام الأمريكي لا يبدو محصوراً في فئة واحدة أو حزب واحد. هناك تراجع واضح في التعاطف داخل الأجيال الأصغر سناً، وهناك تعب متزايد من الحروب الخارجية، وهناك حساسية أعلى تجاه الكلفة الإنسانية لأي مواجهة واسعة في الشرق الأوسط. وهذا يعني أن إسرائيل لم تعد تواجه فقط انتقادات خصومها التقليديين، بل تواجه أيضاً تحولات أعمق في المزاج العام داخل المجتمع الذي كان تاريخياً أكثر تفهماً لها.

من هنا، قد تكون الحرب على إيران بالنسبة لإسرائيل سلاحاً ذا حدين. فمن جهة، قد ترى أنها فرصة لإعادة تثبيت الردع وإرسال رسالة قوة إلى خصومها في المنطقة. لكن من جهة أخرى، قد تؤدي هذه الحرب نفسها إلى تسريع التآكل السياسي في صورتها أمام الجمهور الأمريكي. والخطورة هنا أن الخسائر السياسية لا تظهر عادة فوراً. فهي تتراكم ببطء، ثم تظهر لاحقاً في شكل تغير في اللغة السياسية، أو صعوبة أكبر في تسويق الدعم، أو تراجع الحماسة لدى فئات كانت في السابق أقرب إلى التأييد التلقائي.

الحروب الكبيرة لا تترك آثارها فقط على الجبهات، بل تترك آثارها أيضاً في العقول والانطباعات. والصورة التي ترسخ في الخارج قد تصبح مع الوقت أكثر أهمية من كثير من التفاصيل العسكرية المباشرة. فإذا ترسخ لدى شريحة واسعة من الأمريكيين أن إسرائيل باتت تمثل امتداداً لحرب إقليمية مفتوحة ومكلفة، فإن ذلك سيؤثر على موقعها في النقاش الأمريكي الداخلي، سواء في الإعلام أو الجامعات أو الكونغرس أو حتى داخل الحملات الانتخابية مستقبلاً.

وربما هذا هو التحدي الأكبر: أن إسرائيل قد تنتصر في جولة معينة من حيث الضربات والردع، لكنها تخرج أضعف في معركة الشرعية والصورة والقبول الشعبي. وهذا النوع من الخسارة لا يُقاس بعدد الأيام أو الغارات، بل بمدى تأثيره على المستقبل. فالدعم الأمريكي ليس مجرد قرار حكومي فوقي، بل يحتاج دائماً إلى حد أدنى من القبول الشعبي والسياسي ليستمر بالقوة نفسها.

كما أن الرهان على أن الأمن وحده يبرر كل شيء قد لا يكون كافياً في السياق الأمريكي الحالي. فالمجتمع الأمريكي تغير كثيراً عمّا كان عليه قبل سنوات. هناك وعي أكبر بتكاليف الحروب، ورفض أكبر للانخراط في نزاعات طويلة، ونظرة أكثر تشككاً تجاه الخطابات التي تبرر التصعيد الدائم باسم الأمن. ولهذا، فإن أي حرب جديدة لا تُقرأ فقط من زاوية منطق الدولة، بل أيضاً من زاوية آثارها الإنسانية والسياسية والأخلاقية.

إسرائيل هنا أمام معادلة صعبة: هل يمكنها أن تكسب أمنياً من دون أن تخسر سياسياً؟ وهل تستطيع أن تدير حرباً بهذا الحجم من دون أن تدفع ثمنها في واشنطن؟ هذه الأسئلة قد لا تبدو عاجلة في اللحظة الأولى من التصعيد، لكنها تصبح لاحقاً أهم من كثير من الحسابات التكتيكية. لأن الحروب قد تنتهي، لكن آثارها على صورة الدول تبقى لسنوات.

والأرجح أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الرد الإيراني أو في اتساع ساحة المواجهة، بل في التبدل البطيء داخل الوعي الأمريكي. فإذا أخذت صورة إسرائيل في التراجع أكثر، فقد تجد نفسها بعد سنوات أمام واقع جديد: حليف رسمي ما يزال قائماً، لكن قاعدة شعبية أقل حماسة، ونخب سياسية أكثر حذراً، ومجال عام أقل استعداداً لمنحها الدعم نفسه الذي كان يُمنح سابقاً من دون نقاش كبير.

لهذا، قد تكون الحرب على إيران لحظة مفصلية بالنسبة لإسرائيل، لا بسبب ما يحدث في السماء أو على الأرض فقط، بل بسبب ما تفعله في السياسة والصورة والشرعية. فبعض الدول لا تُهزم لأنها خسرت معركة عسكرية، بل لأنها بدأت تخسر المعركة الأهم: كيف يراها العالم، وكيف يراها جمهور حليفها الأكبر.


مقالات ذات صلة من موقعك

المصدر: إعادة صياغة عربية لمقال رأي بعنوان: A new poll shows the political risk to Israel from the war in Iran.

مقالات ذات صلة

مواد إضافية مرتبطة بموضوع هذا المقال.