تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
تحقيقات عرب أمريكا

كشف المستور | الحلقة الأولى: كيف بنت الإمارات شبكة نفوذها في واشنطن؟

🗓️ 18 سبتمبر 2026 ✍️ فريق تحرير عرب أمريكا ⏱️ 9 دقائق للقراءة 12 مشاهدة

هذه الحلقة لا تبدأ بتسريب مجهول، بل بسجلات الحكومة الأميركية نفسها. عقود معلنة، إفصاحات بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب FARA، اجتماعات مع موظفين في الكونغرس، وشركات علاقات عامة واستشارات تتقاضى ملايين الدولارات. السؤال ليس إن كان للإمارات نفوذ في واشنطن؛ السجلات تثبت وجود منظومة مهنية واسعة. السؤال الحقيقي هو: كيف تعمل، وما الملفات التي تتحرك حولها، وأين ينتهي النشاط القانوني المعلن ويبدأ ما يعتبره القانون الأميركي نفوذًا غير مشروع؟

منهج التحقيق:
اعتمدت «عرب أمريكا» على سجلات وزارة العدل الأميركية الخاصة بـFARA، بيانات OpenSecrets المبنية على إفصاحات FARA، تقرير خدمة أبحاث الكونغرس CRS، وملفات قضائية وبيانات رسمية. نفرّق بوضوح بين النشاط المسجل والقانوني، والاتهامات، وما انتهى إليه القضاء.

أولًا: أكثر من 21 مليون دولار في سنة واحدة

بحسب صفحة الإمارات في قاعدة Foreign Lobby Watch التابعة لـOpenSecrets، بلغ الإنفاق الحكومي المرتبط بجهات إماراتية والمسجل في 2025 نحو 18.35 مليون دولار، إضافة إلى نحو 2.75 مليون دولار من الإنفاق غير الحكومي المرتبط بالإمارات. المجموع يقارب 21.1 مليون دولار.

وتظهر قائمة الجهات المسجلة لذلك العام أسماء شركات كبرى، منها Glover Park Group بنحو 5.19 مليون دولار، وAkin Gump بنحو 4.14 مليون، وCamstoll Group بنحو 3.25 مليون، وBrunswick Group بنحو 2.43 مليون، إلى جانب شركات أخرى في العلاقات العامة والاستشارات والدفاع.

مهم: لا يجوز وصف كامل هذا الرقم بأنه «أموال ضغط سياسي على الكونغرس». OpenSecrets نفسها تنبه إلى أن FARA يشمل أيضًا أنشطة مثل العلاقات العامة والترويج التجاري والسياحي. الرقم يكشف حجم البنية المسجلة، لكنه لا يعني أن كل دولار استخدم للضغط التشريعي.

عقد بقيمة 5.3 مليون دولار سنويًا: ماذا طلبت السفارة من FGS Global؟

أحد أوضح المستندات التي وجدناها هو عقد FGS Global المودع لدى وزارة العدل في أبريل/نيسان 2024. العقد مع سفارة الإمارات يبدأ في مارس/آذار 2024 ويستمر حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2026.

ينص العقد على أن FGS تساعد السفارة في برنامج شامل للدبلوماسية العامة والاتصالات داخل الولايات المتحدة، بهدف تعزيز معرفة وفهم الإمارات لدى صناع السياسة وقادة الرأي الأميركيين. ويعدد نطاق العمل: استراتيجية الاتصالات الأميركية، إعداد الرسائل والخطب ومواد الإحاطة، العلاقات مع وسائل الإعلام، تحديد مؤتمرات ومنتديات يظهر فيها مسؤولون إماراتيون، والتواصل مع جمعيات الأعمال والتجارة، ومراكز الأبحاث، والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الثقافية.

العقد لا يترك الجانب المالي غامضًا: 5.3 مليون دولار سنويًا، تُدفع على 12 قسطًا شهريًا بنحو 441,666 دولارًا. كما ينص على دعم خطط التسويق والإعلان والإعلام، وتطوير استراتيجيات رقمية تشمل استخدام تقنيات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي، وتنظيم برامج لمسؤولين إماراتيين يزورون الولايات المتحدة، وكذلك لمسؤولين وشخصيات أميركية تزور الإمارات.

هذا مهم لأنه يوضح أن بناء النفوذ لا يجري فقط عبر زيارة مكتب عضو في الكونغرس. المنظومة أوسع: إعلام، مراكز أبحاث، قادة أعمال، خبراء، أكاديميون، مؤتمرات، مواد رقمية، وزيارات رسمية وغير رسمية.

ما الذي تريد أبوظبي التأثير فيه؟ الوثائق تذكر الملفات بنفسها

في إفصاحات FARA الخاصة بشركة Akin Gump وشركات تعمل بالنيابة عنها لصالح السفارة الإماراتية، تظهر مجموعة متكررة من الملفات: السياسة الخارجية الأميركية، الأمن الإقليمي، التجارة والاستثمار، العقوبات وضوابط التصدير، التعاون العسكري والأمني والقانوني، الأمن السيبراني، والعلاقات مع الكونغرس.

وفي بيان تكميلي أودعته Gilliland & McKinney لدى وزارة العدل في 28 مايو/أيار 2026، بصفتها تعمل لصالح سفارة الإمارات عبر Akin Gump، وُصف نطاق العمل بأنه يشمل المشورة السياسية والاستراتيجية والقانونية بشأن السياسة الخارجية الأميركية، التوترات الإقليمية، الوضع الإنساني في السودان، الاستثمار والتجارة الدولية، العقوبات وضوابط التصدير، التعاون العسكري والأمني، الأمن السيبراني و«مسائل الكونغرس الأميركي».

الوثيقة الأصلية هنا.

السودان: عندما نرى أسماء موظفي الكونغرس في السجل

هنا تنتقل القصة من الوصف العام إلى اتصالات محددة. في الملحق التفصيلي للوثيقة نفسها، تُسجل سلسلة اجتماعات في ديسمبر/كانون الأول 2025 مع موظفين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب ولجانها الفرعية، وكان الغرض المسجل مرارًا: «مناقشة التطورات في السودان والمنطقة الأوسع».

من بين الأسماء والوظائف الواردة في السجل: موظفون مهنيون في لجنة الشؤون الخارجية، موظفون في اللجنة الفرعية لأفريقيا، واللجنة الفرعية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إضافة إلى مساعدين تشريعيين في مكاتب أعضاء من الحزبين. وتظهر الوثيقة كذلك اتصالات لترتيب لقاءات لمسؤولين إماراتيين مع أعضاء في مجلسي النواب والشيوخ، ومناقشة الأمن الإقليمي والعلاقات الثنائية والتجارة والاستثمار.

وجود هذه الاجتماعات لا يثبت أن الطرف الأميركي غيّر موقفه بسببها، ولا يثبت وقوع مخالفة. لكنه يثبت شيئًا أكثر تحديدًا: عندما أصبح ملف السودان قضية حساسة داخل الكونغرس، كانت الجهات المسجلة لصالح السفارة الإماراتية تتواصل مباشرة مع الدوائر التي تناقش السياسة الخارجية وأفريقيا والشرق الأوسط.

لماذا السودان تحديدًا ملف حساس في واشنطن؟

لأن أعضاء في الكونغرس حاولوا خلال 2025 تقييد مبيعات أسلحة للإمارات على خلفية اتهامات بأنها تقدم دعما عسكريا لقوات الدعم السريع في السودان. رويترز نقلت في يناير/كانون الثاني 2025 عن السيناتور Chris Van Hollen والنائبة Sara Jacobs أنهما خلصا، استنادًا إلى إحاطات وتقارير، إلى أن الإمارات تقدم أسلحة لقوات الدعم السريع.

الإمارات نفت ذلك بوضوح، وقال مسؤول إماراتي لرويترز إن بلاده لا تقدم دعمًا أو إمدادات لأي من طرفي الحرب وإن تركيزها ينصب على الأزمة الإنسانية والحل السلمي.

وفي مايو/أيار 2025 حاول مشرعون آخرون منع صفقات عسكرية إضافية، بينما استمرت الإدارة الأميركية في النظر إلى الإمارات كشريك أمني مهم. هذا التباين يفسر لماذا يكون ملف السودان حاضرًا داخل نشاط اللوبي: القضية يمكن أن تمس صفقات السلاح والعلاقة الاستراتيجية بين البلدين.

ما لا نقوله: لا نستنتج من مجرد وجود اتصالات ضغط أن مواقف أعضاء الكونغرس «مشتراة» أو أن اجتماعات بعينها أنتجت قرارًا بعينه. إثبات علاقة سببية يحتاج أدلة إضافية. ما تثبته الوثائق هو وجود نشاط منظم ومعلن حول ملفات شديدة الأهمية للإمارات.

السلاح ليس هامشيًا في العلاقة

تقرير خدمة أبحاث الكونغرس CRS، المحدث في 20 يناير/كانون الثاني 2026، يصف الإمارات بأنها «شريك دفاعي رئيسي» للولايات المتحدة، ويشير إلى أنها تستضيف أفرادًا عسكريين أميركيين في منشآت عسكرية إماراتية وتشتري معدات دفاعية أميركية متقدمة.

وبحسب التقرير، نفذت الولايات المتحدة من 1950 إلى 2023 أكثر من 33.8 مليار دولار من المبيعات العسكرية الخارجية للإمارات، ما جعلها في المرتبة الحادية عشرة عالميًا بين زبائن الدفاع الأميركيين بالقيمة. كما أذنت واشنطن بين 2016 و2025 بتصدير أكثر من 11.3 مليار دولار من المواد الدفاعية عبر المبيعات التجارية المباشرة.

وعندما تكون القرارات الأميركية المتعلقة بالأسلحة، والتكنولوجيا، وضوابط التصدير، والعقوبات ذات قيمة استراتيجية ومالية بهذا الحجم، يصبح الاستثمار في الوصول إلى واشنطن مفهومًا كجزء من حماية مصالح أكبر بكثير من تكلفة عقود العلاقات العامة نفسها.

ثم دخل الذكاء الاصطناعي إلى قلب العلاقة

يقول تقرير CRS نفسه إن العلاقة الأميركية-الإماراتية توسعت إلى مجالات جديدة، ومنها الذكاء الاصطناعي. ويشير إلى إعلان عام 2025 عن خطط إماراتية لشراء أعداد ضخمة من رقائق Nvidia المتقدمة سنويًا خلال 2025-2027.

هذا يضيف بعدًا جديدًا: اللوبي لم يعد يتحرك فقط حول الشرق الأوسط وصفقات السلاح التقليدية. ضوابط تصدير الرقائق، الأمن السيبراني، الاستثمار، والذكاء الاصطناعي أصبحت ملفات استراتيجية مرتبطة مباشرة بقرارات الحكومة الأميركية.

أين ينتهي النشاط القانوني ويبدأ النفوذ غير المشروع؟

هذه هي النقطة التي تحتاج أكبر قدر من الدقة. التسجيل تحت FARA ليس اتهامًا بارتكاب جريمة. بالعكس، وزارة العدل توضح أن القانون مصمم لفرض الشفافية عندما يعمل أشخاص أو شركات داخل الولايات المتحدة لصالح جهات أجنبية في أنشطة سياسية أو علاقات عامة أو تمثيل أمام مسؤولين أميركيين. وزارة العدل تشرح غرض FARA هنا.

بالتالي، شركات مسجلة، عقود معلنة، واتصالات مفصح عنها لا تعني في حد ذاتها «مؤامرة» أو نشاطًا غير قانوني. لكنها تسمح للجمهور بمعرفة من يعمل لمن، وفي أي ملفات، وبأي مبالغ.

لكن هناك قضية جنائية مختلفة: George Nader وأموال جاءت من الإمارات

في يوليو/تموز 2023 أعلنت وزارة العدل الأميركية الحكم على رجل الأعمال George Nader في قضية مساهمات سياسية غير قانونية.

بحسب وثائق المحكمة التي لخصتها الوزارة، كان نادر مستشارًا لمسؤولين إماراتيين كبار، وتعاون مع Ahmad Khawaja في تحويل 4.9 مليون دولار لتسهيل مساهمات غير قانونية إلى لجان سياسية أميركية لم تكن تعلم المصدر الحقيقي للأموال. وقالت الوزارة إنهما استخدما ما لا يقل عن 3.5 مليون دولار من أموال جاءت من الإمارات في هذه المساهمات، بهدف الحصول على الوصول والنفوذ لدى مرشح للرئاسة وشخصيات سياسية أخرى خلال انتخابات 2016.

هذه قضية جنائية مثبتة تختلف قانونيًا عن نشاط الضغط المسجل. كما أن ما تثبته القضية بشأن نادر وخوجة لا يسمح بتعميم المسؤولية على كل مؤسسة إماراتية أو كل نشاط إماراتي في واشنطن.

وقضية Tom Barrack؟ لا يجوز حذف النهاية

في 2021 اتهمت وزارة العدل Thomas Barrack وآخرين بالعمل كعملاء غير مسجلين للإمارات، وقال الادعاء إنهم سعوا للتأثير في حملة رئاسية والرأي العام والسياسة الأميركية لصالح مصالح إماراتية دون الإخطار المطلوب.

لكن النتيجة القضائية حاسمة: Barrack بُرئ من جميع التهم التي حوكم عليها في 2022. لذلك لا يجوز تقديم اتهامات الادعاء القديمة كأنها حقيقة قضائية مثبتة. نذكر الاتهام لأن القضية جزء من تاريخ التدقيق الأميركي في النفوذ الأجنبي، ونذكر البراءة بالوضوح نفسه. بيان الاتهام الأصلي موجود لدى وزارة العدل.

إذن ما الصورة التي تثبتها السجلات؟

بعد جمع هذه الملفات، لا تبدو شبكة النفوذ الإماراتية في الولايات المتحدة كـ«لوبي واحد». هي بنية متعددة الطبقات:

  • شركات علاقات عامة ودبلوماسية عامة تعمل على الصورة والرسائل والإعلام.
  • مكاتب قانونية واستشارية تعمل على الكونغرس والسياسة الخارجية والعقوبات والتجارة.
  • شركات متخصصة في الدفاع والعلاقات الحكومية.
  • تواصل مع مراكز أبحاث وجمعيات أعمال وخبراء وأكاديميين.
  • ترتيب لقاءات وزيارات لمسؤولين إماراتيين وأميركيين.
  • نشاط حول ملفات حساسة مثل السودان والأمن الإقليمي وصفقات السلاح وضوابط التصدير والتكنولوجيا.

والأهم: جزء كبير من هذه المنظومة معلن ومسجل قانونيًا. وهذا لا يقلل من أهميته الصحفية؛ بالعكس، يجعل بالإمكان فحصه وثيقة بوثيقة بدل الاعتماد على الإشاعات.

ماذا تريد الإمارات من واشنطن؟

لا يمكننا نسب «نوايا سرية» بلا دليل. لكن من الوثائق نفسها يمكن تحديد أهداف معلنة ومتكررة: تحسين العلاقات الدبلوماسية والأمنية والتجارية، الوصول إلى صانعي السياسة وقادة الرأي، دعم التعاون العسكري، التأثير في النقاش حول العقوبات وضوابط التصدير، تعزيز التجارة والاستثمار، إدارة الصورة العامة، وبناء علاقات مع الإعلام ومراكز الأبحاث والمنظمات والسياسيين.

وفي المرحلة الحالية من العلاقة، أضيفت إلى ذلك ملفات الذكاء الاصطناعي والرقائق والتكنولوجيا المتقدمة، وهي ملفات تخضع لقرارات أميركية حساسة تتعلق بالأمن القومي والتصدير.

الخلاصة الأولى من «كشف المستور»
الوثائق لا تثبت رواية مبسطة تقول إن «الإمارات تتحكم في واشنطن»، كما أنها لا تسمح بتجاهل حجم الاستثمار الإماراتي في الوصول إلى دوائر القرار والرأي العام. ما تثبته هو شبكة مهنية واسعة، بملايين الدولارات، تتحرك عبر السياسة والإعلام والأعمال ومراكز الأبحاث، وتظهر بوضوح حول الملفات التي تمس مصالح أبوظبي الاستراتيجية.

الحلقة القادمة: من هم الأشخاص الذين يفتحون الأبواب؟

في الحلقة الثانية من «كشف المستور» سننتقل من الشركات إلى الأسماء: المسؤولون السابقون، أعضاء الكونغرس السابقون، المستشارون، موظفو اللجان، وشبكة الاتصالات المسجلة في FARA. سنفصل بين من يعمل بعقد مسجل ومن ورد اسمه فقط بصفته جهة اتصال، حتى لا نخلط بين اللوبي ومن تلقى اتصالًا منه.

المصادر الأصلية

ملاحظة تحريرية: هذا التحقيق يعتمد على سجلات عامة متاحة حتى سبتمبر/أيلول 2026. وجود اسم شخص أو مؤسسة في سجل اتصال لا يعني ارتكاب مخالفة أو تبني موقف الجهة الأجنبية. سنحدّث التحقيق إذا ظهرت وثائق أو ردود موثقة تغير أي معلومة جوهرية.

🎯 فرصة | للعرب في أمريكا 🇺🇸تابع قناة فرصة على واتساب
متابعة القناة
شارك الخبر مع أصدقائك
تنبيه: هذا المحتوى إخباري ومعلوماتي، ولا يُعد استشارة قانونية أو مالية. في القضايا الحساسة، راجع مختصًا مؤهلًا.
لا تتوقف عند القراءة

ماذا تريد أن تفعل الآن؟

اختر الخطوة الأقرب لحاجتك بدل أن تبدأ البحث من جديد.

لدي سؤال عن الموضوع استكشف المجالات أولًا، وسجّل الدخول فقط عندما تريد إرسال السؤال. اسأل عرب أمريكا ← وصلتني ورقة أو رسالة ارفع صورة أو PDF وافهم المعنى والمطلوب منك بالعربية. افهمها بالعربي ← أحتاج خدمة عربية ابحث عن محامٍ أو طبيب أو متجر أو خدمة عربية قريبة. افتح الدليل ←
ابقَ قريبًا من المعلومة التي تحتاجها

لا تبحث من الصفر في كل مرة

اشترك مجانًا لتصلك أهم الأدلة والتحديثات العملية من عرب أمريكا. يمكنك الإلغاء في أي وقت.

بالاشتراك أنت توافق على سياسة الخصوصية. يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.