تجمع آلاف المتظاهرين مساء الجمعة 18 سبتمبر/أيلول حول مركز جون إف. كينيدي للفنون الأدائية في واشنطن، في احتجاج واسع على إغلاق المبنى وتصاعد المخاوف بشأن مستقبله، بعد أيام من قرار مجلس إدارته إغلاقه لإجراء أعمال إصلاح، وفي ظل نزاع قضائي وسياسي متواصل بشأن اسم المركز وإدارته واحتمال إجراء تغييرات جذرية في المبنى.
وجاءت التظاهرة، التي حملت اسم «Hands Around the Kennedy Center»، بعد سلسلة متسارعة من التطورات شملت قرارًا قضائيًا يمنع إعادة اسم الرئيس دونالد ترامب إلى واجهة المركز من دون موافقة الكونغرس، وتصريحات من ترامب أثارت مخاوف من احتمال هدم المبنى إذا لم يتم التوصل إلى صيغة ترضي الإدارة بشأن مستقبل المركز وتجديده.
ماذا حدث أمام مركز كينيدي؟
بحسب وكالة أسوشيتد برس وتقارير إعلامية أمريكية، تدفق المتظاهرون من منطقة فوغي بوتوم باتجاه المركز المطل على نهر بوتوماك، وشكل المشاركون سلسلة بشرية حول أجزاء من المبنى، بينما حمل آخرون لافتات ورددوا هتافات تطالب بالحفاظ على المؤسسة الثقافية. ونظم التحرك ائتلاف Hands Off the Arts، بمشاركة فنانين وناشطين وأشخاص سبق لهم العمل أو الأداء في المركز.
وتفاوتت تقديرات الحضور بين التقارير، لكن عدة وسائل وصفت العدد بالآلاف، فيما أفاد تقرير محلي بأن عدد المشاركين تجاوز ألفي شخص. ولهذا لا يمكن التعامل مع رقم واحد باعتباره إحصاءً رسميًا نهائيًا، لكن المؤكد أن الاحتجاج كان من أكبر التحركات العامة المرتبطة بالأزمة الأخيرة للمركز.
الاحتجاج لم يكن اعتراضًا على أعمال الصيانة في حد ذاتها فقط، بل جاء أساسًا نتيجة مخاوف من أن يتحول الإغلاق المؤقت أو أعمال التجديد إلى تغيير دائم في هوية المبنى أو استخدامه، خصوصًا بعد تصريحات سياسية وقضائية متبادلة خلال الأيام الأخيرة.
إغلاق المبنى ونزاع حول الاسم
كان مجلس إدارة مركز كينيدي، الذي يترأسه ترامب ويضم عددًا من المعينين من جانبه، قد صوّت على إغلاق المركز لإجراء أعمال إصلاح. وأعلنت الإدارة أيضًا وجود مخاطر مرتبطة بتدهور بعض أجزاء المبنى، في وقت خصص فيه الكونغرس 257 مليون دولار لأعمال التجديد.
لكن توقيت القرار أثار جدلًا واسعًا لأنه جاء بعد أن منع القاضي الفدرالي كريستوفر كوبر محاولة إعادة اسم ترامب إلى المبنى. وكان القضاء قد خلص إلى أن تغيير اسم المركز أو إضافة تكريم دائم من هذا النوع يحتاج إلى موافقة الكونغرس، لأن المركز أُنشئ بموجب تشريع اتحادي بوصفه نصبًا حيًا للرئيس جون إف. كينيدي ومؤسسة وطنية للفنون الأدائية.
ترامب دافع عن دوره في جهود تجديد المركز وقال إن المبنى في حالة سيئة ويحتاج إلى إصلاحات كبيرة. كما ربط في تصريحات علنية بين استمرار دعمه للمشروع وبين حصول إدارته على اعتراف بدورها في إنقاذ المركز. وفي المقابل، يرى منتقدون أن ربط أعمال الإصلاح بإضافة اسم الرئيس يخلط بين إدارة منشأة ثقافية اتحادية وبين خلاف سياسي وشخصي حول التكريم.
هل سيُهدم مركز كينيدي فعلًا؟
حتى الآن لا يوجد قرار نهائي معلن بهدم مركز كينيدي. وهذه نقطة مهمة في التمييز بين ما هو مؤكد وما هو محل مخاوف أو نزاع. ترامب رفض يوم الجمعة أن يحسم بشكل واضح ما إذا كان سيؤيد هدم المبنى، بعدما سبق أن تحدث عن احتمال «هدمه» أو إعادة بنائه إذا لم تتم معالجة وضعه بالطريقة التي يراها مناسبة.
وبسبب هذه التصريحات، أصدر القاضي كوبر أمرًا يفرض تقديم إشعار قبل 30 يومًا على الأقل من اتخاذ خطوات لإجراء تغييرات مادية كبيرة في المبنى، بما في ذلك الهدم. ولا يعني هذا الحكم أن المحكمة قررت أن هناك خطة هدم قائمة بالفعل، لكنه يضع حاجزًا إجرائيًا يمنع تنفيذ تغيير جذري بصورة مفاجئة قبل إتاحة الوقت للنظر فيه قضائيًا.
كما أن الإغلاق الحالي نفسه يتضمن أكثر من مستوى: إدارة المركز تحدثت عن إغلاق طارئ لتقييم مخاطر السلامة في أجزاء من المبنى، بينما صوّت مجلس الإدارة بصورة أوسع على إغلاق مرتبط بالإصلاحات. لذلك تبقى مدة الإغلاق الفعلية وشكل برنامج التجديد من القضايا التي تحتاج إلى متابعة مع صدور قرارات جديدة.
لماذا أصبحت القضية أكبر من مشروع صيانة؟
مركز كينيدي ليس مسرحًا عاديًا في واشنطن. فقد أنشأه الكونغرس كمركز وطني للفنون الأدائية ونصب تذكاري للرئيس جون إف. كينيدي، وأصبح على مدى عقود منصة للأوبرا والموسيقى والمسرح والرقص والبرامج التعليمية والفعاليات الوطنية.
ولهذا تحولت الأزمة إلى نقاش أوسع حول حدود سلطة الرئيس ومجلس الإدارة على مؤسسة أنشأها الكونغرس، ومدى قدرة الإدارة التنفيذية على تغيير اسمها أو بنيتها أو طبيعة عملها دون العودة إلى السلطة التشريعية. كما يثير الإغلاق أسئلة عملية بشأن العاملين والفنانين والمؤسسات التعليمية والفرق التي تعتمد على المركز في برامجها وعروضها.
وفي المقابل، تقول إدارة المركز ومؤيدو التجديد إن المبنى قديم ويعاني مشكلات حقيقية تتطلب استثمارات واسعة، وإن تأجيل الإصلاحات قد يزيد التكلفة والمخاطر. وبالتالي فإن الخلاف ليس حول الحاجة إلى الصيانة فقط، وإنما حول طريقة تنفيذها، والجهة التي تملك القرار، وما إذا كانت أعمال التجديد ستبقي على هوية المركز ووظيفته الحالية.
ما المتوقع لاحقًا؟
خلال المرحلة المقبلة ستتركز الأنظار على ثلاثة مسارات متوازية: تقييمات السلامة والهندسة التي ستحدد نطاق الإصلاحات المطلوبة، والدعاوى القضائية المتعلقة باسم المركز وسلطة مجلس الإدارة، وأي تحرك من الكونغرس بشأن التمويل أو التسمية أو مستقبل المنشأة.
كما أن شرط الإشعار القضائي لمدة 30 يومًا يجعل أي خطوة كبيرة نحو الهدم أو التغيير البنيوي قابلة للرصد قبل تنفيذها، وهو ما يمنح الأطراف المعترضة فرصة للعودة إلى المحكمة إذا رأت أن الإجراء يخالف الأوامر القائمة.
أما التظاهرة الأخيرة فتظهر أن الأزمة خرجت من نطاق اجتماعات مجلس الإدارة والمحاكم وأصبحت قضية عامة في واشنطن. وبينما يؤكد ترامب أن هدفه إصلاح المركز وإنقاذه، يطالب المحتجون بضمان بقاء المبنى مؤسسة وطنية تحمل اسم كينيدي وتحافظ على مهمتها الفنية. وحتى صدور قرارات جديدة، يبقى المؤكد أن المركز مغلق في الوقت الراهن وأن مستقبله أصبح موضوعًا لقضية قانونية وسياسية وثقافية مفتوحة.