قضت محكمة فدرالية أمريكية بأن وزارة الأمن الداخلي تجاوزت سلطتها عندما دفعت الوكالة الفدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA) نحو خفض قوتها العاملة إلى نحو النصف، في حكم جديد يضع قيودًا قانونية على محاولة إعادة تشكيل واحدة من أهم وكالات الاستجابة للكوارث في الولايات المتحدة.
وجاء القرار، الصادر عن القاضية الفدرالية سوزان إيلستون في سان فرانسيسكو مساء الجمعة 11 سبتمبر 2026، في دعوى رفعتها نقابات وجهات أخرى اعتراضًا على تقليص آلاف الوظائف المرتبطة بالاستجابة للكوارث. وبحسب الحكم وتغطية رويترز المنشورة السبت، فإن وزارة الأمن الداخلي لا تستطيع ببساطة انتزاع سلطة FEMA على قرارات موظفيها أو فرض تخفيضات تؤثر بصورة جوهرية في وظائف الوكالة التي حددها الكونغرس.
ماذا قررت المحكمة؟
جوهر الحكم يتعلق بمن يملك السلطة القانونية لاتخاذ قرارات كبيرة بشأن قوة FEMA العاملة. فالوكالة تقع إداريًا داخل وزارة الأمن الداخلي، لكن الكونغرس وضع بعد إعصار كاترينا قيودًا تمنع الوزارة من تقليص سلطات FEMA أو مسؤولياتها أو وظائفها بصورة كبيرة أو جوهرية.
ورأت إيلستون أن الوزارة تجاوزت هذا الحد عندما تدخلت في قدرة FEMA على تجديد عقود فئة من موظفي الاستجابة المؤقتين المعروفين باسم CORE، وهم موظفون يعملون في مهام الاستجابة والتعافي ويشكّلون جزءًا مهمًا من قدرة الوكالة على زيادة عدد العاملين عند وقوع الأعاصير والفيضانات والحرائق والكوارث الكبرى.
وقالت القاضية، وفق نص القرار الذي راجعته رويترز، إنه لا يوجد في السجل ما يوضح عملية اتخاذ قرار منطقية تبرر التحول في سياسة التجديد أو الشروط التي فرضتها وزارة الأمن الداخلي على سلطة FEMA في هذا المجال.
خطة كانت ستخفض القوة العاملة إلى نحو 11,383 موظفًا
من أبرز الأرقام الواردة في القضية أن FEMA توقعت وصول عدد العاملين لديها في السنة المالية المقبلة إلى نحو 11,383 موظفًا، وهو ما وصفته المحكمة بأنه يقارب نصف مستويات القوة العاملة السابقة. ولفتت القاضية إلى عدم وجود أساس واضح في السجل يفسر اختيار هذا الرقم تحديدًا.
القضية لا تتعلق إذن بخلاف إداري محدود على بضع وظائف، بل بإعادة تشكيل واسعة لوكالة تتحمل مسؤوليات مباشرة عند وقوع الكوارث. وتشمل أدوار FEMA تنسيق الموارد الفدرالية، دعم حكومات الولايات والمناطق المحلية، نشر فرق الاستجابة، إدارة برامج مساعدة المتضررين والمساهمة في عمليات التعافي طويلة الأمد.
وكانت النقابات المدعية قد قالت إن التخفيضات المخطط لها قد تضعف قدرة الوكالة على تنفيذ مهمتها، وإنها لم تأت نتيجة قرار مستقل من داخل FEMA ولم تحصل على موافقة من الكونغرس. في المقابل، دفعت الإدارة بأن الوكالة تملك قدرًا واسعًا من المرونة في تحديد مستوى التوظيف المناسب.
الحكم لا يعيد الموظفين تلقائيًا ولا يحدد العلاج بعد
من المهم التفريق بين إثبات المخالفة القانونية وبين العلاج الذي ستأمر به المحكمة. قرار الجمعة حسم جزءًا مهمًا من النزاع لمصلحة المدعين، لكنه لم يتضمن حتى الآن عقوبات أو أمرًا نهائيًا مفصلًا بشأن كيفية معالجة آثار التخفيضات.
وقالت إيلستون إن مسألة العلاج ستُبحث في قرار منفصل، ويمكن للأطراف تقديم مذكرات للمحكمة بشأن نطاق الإجراء المطلوب. وهذا يعني أن الحكم الحالي لا ينبغي تفسيره على أنه إعادة فورية لجميع العاملين المتأثرين أو إلغاء آلي لكل قرار توظيف سابق.
ومن المتوقع أن تكون المرحلة التالية من القضية مهمة بقدر الحكم نفسه، لأن المحكمة ستحدد ما إذا كان العلاج سيقتصر على وقف أجزاء من الخطة المستقبلية، أو سيشمل خطوات إضافية تتعلق بالموظفين والعقود التي لم تُجدد.
رسائل Signal المحذوفة تدخل القضية
في تطور منفصل لكنه مرتبط بالنزاع، انتقدت المحكمة مسؤولين في FEMA ووزارة الأمن الداخلي لاستخدام تطبيق Signal على هواتف شخصية في مناقشة تخفيضات الموظفين ثم حذف الرسائل.
ورأت القاضية أن تلك الاتصالات كانت ذات صلة بالدعوى. ووفق القرار، ستتعامل المحكمة مستقبلًا مع الرسائل المفقودة على أساس افتراض أنها كانت ستقدم أدلة غير مواتية للمدعى عليهم بشأن خطة خفض القوة العاملة ودور وزارة الأمن الداخلي في توجيهها وتنفيذها.
هذه النقطة مهمة قانونيًا لأنها تتجاوز مسألة عدد الوظائف إلى مسألة حفظ السجلات والأدلة أثناء التقاضي. لكنها لا تعني بحد ذاتها إثبات كل ادعاء ورد في الدعوى؛ بل تحدد الطريقة التي ستتعامل بها المحكمة مع فجوة أدلة نتجت عن حذف الاتصالات.
لماذا يهم القرار السكان والجالية العربية في أمريكا؟
تأثير FEMA لا يقتصر على الموظفين الفدراليين. عندما تضرب كارثة منطقة ما، قد يعتمد السكان وأصحاب المنازل والمستأجرون وأصحاب الأعمال الصغيرة على منظومة الاستجابة التي تشارك فيها الوكالة إلى جانب الولاية والحكومات المحلية.
بالنسبة إلى الجاليات العربية المنتشرة في ولايات معرضة للأعاصير والفيضانات والحرائق والعواصف، مثل فلوريدا وتكساس وكاليفورنيا وميشيغان ومناطق أخرى، فإن قدرة FEMA على نشر العاملين ومعالجة الطلبات وتنسيق المساعدة يمكن أن تنعكس عمليًا على سرعة الخدمات بعد الكارثة.
ولا يعني الحكم أن أي برنامج مساعدة فردية سيتغير فورًا، كما لا يضمن أن مستوى موظفي الوكالة سيعود إلى رقم معين. أهميته الحالية أنه يضع حاجزًا قانونيًا أمام إجراء تخفيض واسع إذا كان مصدره وزارة الأمن الداخلي على نحو ينتقص من السلطة والوظائف التي منحها القانون لـFEMA.
خلفية النزاع
بدأ الخلاف الأوسع ضمن دعاوى تتحدى عمليات تقليص وإعادة تنظيم في الحكومة الفدرالية. وفي يناير 2026 وسّعت نقابات تمثل موظفين حكوميين دعواها لتشمل خططًا تخص FEMA، مع التركيز على عدم تجديد عقود موظفي CORE.
وفي يونيو، رفضت إيلستون إصدار أمر قضائي أولي يوقف التخفيضات فورًا، بعدما وجدت حينها أن FEMA تراجعت مؤقتًا عن بعض الخطوات. لكنها سمحت بتسريع النظر في مطالب القضية وجمع الأدلة. وفي القرار الجديد قالت القاضية إن الوكالة تبدو وكأنها تمضي مجددًا نحو التخفيض، مستندة إلى توقعات القوة العاملة للسنة المالية المقبلة.
كما يأتي النزاع في سياق نقاش سياسي أوسع حول مستقبل FEMA ودور الحكومة الفدرالية في إدارة الكوارث. وكان الرئيس دونالد ترامب قد تحدث سابقًا عن نقل قدر أكبر من مسؤولية الاستعداد والاستجابة إلى الولايات، بينما يرى معارضو هذا الاتجاه أن الكوارث الكبرى تتطلب قدرة فدرالية مركزية وموارد لا تستطيع كل ولاية توفيرها منفردة.
ما المتوقع لاحقًا؟
الخطوة الأساسية التالية هي تحديد المحكمة لنطاق العلاج القانوني. وقد تطلب الأطراف أوامر مختلفة بشأن التوظيف وتجديد العقود وتنفيذ خطة التخفيض، ويمكن أن تستمر القضية عبر طعون إضافية بحسب القرارات المقبلة.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي للموظفين أو المتقدمين للعمل لدى FEMA افتراض أن الحكم يضمن وظيفة أو تجديد عقد بعينه؛ فهذه التفاصيل تعتمد على نوع الوظيفة ووضع الموظف وما ستقرره المحكمة لاحقًا.
أما بالنسبة للجمهور، فالمؤشر الأهم سيكون ما إذا كانت FEMA ستعدل توقعاتها لقوتها العاملة، وكيف ستتعامل وزارة الأمن الداخلي مع الحكم، وما إذا كانت الحكومة ستطلب وقف القرار أو تستأنفه. وحتى صدور خطوات جديدة، يبقى الحكم تأكيدًا قضائيًا على أن إعادة هيكلة وكالة الاستجابة للكوارث تخضع لقيود قانونية وضعها الكونغرس ولا يمكن التعامل معها كقرار إداري داخلي بلا حدود.
المصادر: قرار المحكمة الفدرالية للمنطقة الشمالية من كاليفورنيا في قضية American Federation of Government Employees وآخرين ضد Trump وآخرين؛ رويترز، 12 سبتمبر 2026؛ والسجل القضائي السابق للقضية بشأن FEMA ووزارة الأمن الداخلي.