أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الاثنين 14 سبتمبر/أيلول 2026، خطوة تنظيمية كبيرة في سياسة الطاقة والمناخ، إذ أنهت وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) معايير فيدرالية كانت تفرض قيودًا على انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من محطات توليد الكهرباء العاملة بالوقود الأحفوري، وفي مقدمتها الفحم والغاز الطبيعي.
وبحسب رويترز، أعلنت الوكالة قرارها النهائي على هامش اجتماعات وزراء الطاقة لمجموعة العشرين في هيوستن، بعد مسار تنظيمي بدأ بمقترح رسمي في يونيو/حزيران 2025. وتؤكد وثائق وكالة حماية البيئة الخاصة بالمقترح أن الهدف كان إلغاء معايير غازات الدفيئة المطبقة على محطات الوقود الأحفوري بموجب المادة 111 من قانون الهواء النظيف.
القرار يمثل تحولًا مباشرًا عن السياسة التي تبنتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن، لكنه لا يعني انتهاء النزاع. فالخطوة مرشحة لفتح معركة قضائية جديدة حول مدى سلطة وكالة حماية البيئة في تنظيم ثاني أكسيد الكربون الصادر عن قطاع الكهرباء، وحول التفسير القانوني الذي اعتمدته الإدارة الحالية لتقليص نطاق التنظيم الفيدرالي.
ما الذي تغير فعليًا؟
المعايير التي استهدفتها الوكالة كانت تتناول انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من مصادر متعددة داخل قطاع توليد الكهرباء، بما في ذلك محطات الفحم وبعض محطات الغاز الجديدة والقائمة. وفي المقترح الذي نشرته الوكالة عام 2025، قالت EPA إنها ترى أن قانون الهواء النظيف يتطلب أساسًا قانونيًا محددًا قبل تنظيم هذه الانبعاثات على مستوى فئة محطات الوقود الأحفوري.
أما إدارة بايدن فكانت قد بنت قواعدها على مسار مختلف، يهدف إلى خفض انبعاثات قطاع الكهرباء تدريجيًا، مع متطلبات تختلف بحسب نوع المحطة وعمرها وخطط استمرارها في التشغيل. ووفق تقديرات نقلتها رويترز، كانت تلك القواعد تستهدف تجنب نحو مليار طن متري من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري حتى عام 2047.
هذا الرقم مهم لأن قطاع الكهرباء يشكل جزءًا كبيرًا من الانبعاثات الأمريكية. وتقول رويترز إن توليد الكهرباء يمثل قرابة ربع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في الولايات المتحدة، ما يجعل أي تغيير في القواعد الفيدرالية للمحطات ذا أثر يتجاوز الشركات المالكة للمرافق إلى السياسة المناخية الأمريكية ككل.
لماذا تقول إدارة ترامب إنها ألغت القواعد؟
تقدم إدارة ترامب القرار باعتباره جزءًا من سياسة أوسع لتقليل القيود التنظيمية على إنتاج الطاقة داخل الولايات المتحدة. وتقول الإدارة إن المتطلبات السابقة رفعت كلفة الامتثال على قطاع الكهرباء وقد تحد من الاستثمار في محطات الوقود الأحفوري في وقت يرتفع فيه الطلب على الكهرباء.
ونقلت رويترز عن مدير وكالة حماية البيئة لي زيلدين قوله إن الإلغاء سيوفر للشركات نحو 120 مليون دولار سنويًا. وهذه قيمة تقديرية صادرة عن الإدارة، وليست رقمًا متفقًا عليه بين جميع الأطراف. كما أن وثائق EPA السابقة استخدمت تقديرات اقتصادية مختلفة عند تقييم نطاقات أوسع من الإلغاء المقترح، لذلك ينبغي التفريق بين التقديرات التنظيمية وبين وفورات مؤكدة تحققت فعليًا.
وتربط الإدارة هذه السياسة أيضًا بأمن الطاقة وبالحاجة إلى توفير قدرة كهربائية إضافية. وتزداد أهمية هذه الحجة مع توسع مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والصناعة، وهي قطاعات تدفع توقعات الطلب على الكهرباء إلى مستويات أعلى في عدد من المناطق الأمريكية.
ماذا يقول المعارضون؟
في المقابل، ترى جماعات بيئية أن إلغاء القيود ينقل كلفة مختلفة إلى المجتمع من خلال زيادة الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري. ونقلت رويترز انتقادات من مركز التنوع البيولوجي، الذي حذر من أن التراجع عن القيود المناخية يمكن أن يزيد الأضرار المرتبطة بالحرارة الشديدة والعواصف وحرائق الغابات وغيرها من الظواهر التي يربط العلماء شدتها المتزايدة بتغير المناخ.
وكانت وكالة أسوشيتد برس قد ذكرت، أثناء ترقب القرار النهائي، أن الخطوة متوقع أن تواجه طعونًا قانونية سريعة، وأن الخلاف لا يتعلق فقط بتكلفة تشغيل المحطات، بل بمدى قدرة الحكومة الفيدرالية على تنظيم انبعاثات غازات الدفيئة من قطاع الكهرباء في المستقبل.
وهنا يجب التفريق بين أمرين: القرار التنظيمي أصبح خطوة فعلية من الإدارة، لكن قانونيته النهائية ليست محسومة لمجرد صدوره. المحاكم الفيدرالية يمكن أن تراجع الأساس القانوني والإجراءات التي اتبعتها الوكالة، وقد يستغرق النزاع وقتًا طويلًا إذا وصل إلى محاكم الاستئناف أو المحكمة العليا.
هل ستنخفض فاتورة الكهرباء الآن؟
لا توجد قاعدة تسمح بالقول إن فاتورة كل أسرة أمريكية ستنخفض تلقائيًا بسبب القرار. أسعار الكهرباء تتحدد من مجموعة واسعة من العوامل، منها أسعار الغاز والفحم، كلفة الشبكات وخطوط النقل، الاستثمارات الجديدة، الطقس، الطلب المحلي، قرارات هيئات المرافق في الولايات، ومزيج مصادر الطاقة المستخدم في كل منطقة.
قد ترى شركات مرافق أن تخفيف متطلبات الامتثال يقلل بعض التكاليف، لكن تحويل هذه الوفورات إلى المستهلك يعتمد على هيكل السوق والتنظيم في كل ولاية. وفي الاتجاه المقابل، يجادل معارضو القرار بأن التكاليف البيئية والصحية والمناخية لا تظهر بالضرورة مباشرة في فاتورة الكهرباء الشهرية، لكنها تبقى تكاليف اقتصادية يتحملها المجتمع بطرق أخرى.
الولايات قد تسلك مسارًا مختلفًا
إلغاء قاعدة فيدرالية لا يعني أن جميع القيود على محطات الكهرباء تختفي في كل الولايات. ولايات مثل كاليفورنيا ونيويورك، إلى جانب أنظمة إقليمية لخفض انبعاثات قطاع الكهرباء، لديها قوانين وأهداف وسياسات خاصة بها يمكن أن تستمر بصورة مستقلة عن المعيار الفيدرالي.
ولهذا سيكون تأثير القرار متفاوتًا جغرافيًا. المحطات الموجودة في ولاية ذات سياسة مناخية صارمة قد تبقى خاضعة لمتطلبات محلية أو إقليمية، بينما قد يكون أثر الإلغاء الفيدرالي أكبر في الولايات التي تعتمد بدرجة أكبر على القواعد الوطنية ولا تفرض قيودًا موازية مماثلة.
ما المتوقع بعد القرار؟
المرحلة التالية ستكون قانونية بقدر ما هي تنظيمية. من المتوقع أن تطعن منظمات بيئية وربما ولايات في القرار، وستدور المعركة حول تفسير قانون الهواء النظيف وحدود سلطة EPA. وقد تطلب الأطراف من المحاكم وقف تنفيذ أجزاء من القرار مؤقتًا أثناء نظر الدعاوى، لكن حدوث ذلك يتوقف على الدعاوى التي ستُرفع وما تقرره المحاكم.
كما ستراقب شركات الكهرباء والمستثمرون ما إذا كان الإلغاء سيغير قرارات بناء محطات غاز جديدة أو تمديد عمر محطات فحم قائمة. فالقرار التنظيمي وحده لا يحسم اقتصاديات هذه المشروعات؛ أسعار الوقود، وتكلفة الطاقة المتجددة والتخزين، والطلب على الكهرباء، وتكاليف التمويل عوامل رئيسية أيضًا.
بالنسبة للقارئ الأمريكي، أهمية الخبر لا تقتصر على الجدل السياسي حول المناخ. القرار يمس قطاعًا يوفر الكهرباء للمنازل والمصانع ومراكز البيانات، وقد يؤثر على اتجاه الاستثمارات في الشبكة وعلى مزيج الطاقة الذي تعتمد عليه الولايات المتحدة خلال السنوات المقبلة. لكن أي ادعاء بأن القرار سيخفض الأسعار فورًا، أو أنه سينهي تنظيم انبعاثات محطات الكهرباء نهائيًا، سيكون سابقًا لأوانه قبل اتضاح نتائج الطعون القضائية وردود الولايات والقطاع.
المصادر: وكالة رويترز، وكالة أسوشيتد برس، ووكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA).