اقتربت الولايات المتحدة من إغلاق فصل نقدي امتد أكثر من قرنين، بعدما أقر الكونغرس تشريعًا يضع نهاية قانونية لإنتاج عملة السنت الواحد «البنس» للتداول العام ويرسل مشروع القانون إلى الرئيس دونالد ترامب. والخطوة لا تعني أن العملات الموجودة في جيوب الأمريكيين ستصبح بلا قيمة، لكنها تضع إطارًا أوضح لكيفية التعامل مع المدفوعات النقدية عندما لا يكون توفير السنتات كفكة ممكنًا.
وبحسب وكالة أسوشيتد برس، أقر مجلس الشيوخ التشريع بتوافق دون تصويت مسجل، بعد أن مر بمراحل تشريعية سابقة في مجلس النواب. ويأتي ذلك بعدما توقفت دار السك الأمريكية بالفعل عن إنتاج البنس للتداول في 2025. لذلك فإن الجديد هنا ليس مجرد توقف خطوط الإنتاج، بل انتقال السياسة من قرار تنفيذي إلى قاعدة قانونية أكثر استقرارًا تحدد أيضًا كيفية التعامل مع المعاملات النقدية.
ما الذي قرره الكونغرس؟
مشروع «Common Cents Act» يوجه وزارة الخزانة إلى وقف إنتاج عملة السنت الواحد للتداول، مع بقاء إمكانية إنتاج نسخ مخصصة لهواة جمع العملات. والأهم للمستهلك أن البنسات الموجودة حاليًا لا تختفي ولا تفقد صفتها كعملة قانونية؛ يمكن الاستمرار في استخدامها وقبولها.
التشريع يعالج كذلك المشكلة العملية التي ظهرت مع تراجع إمدادات البنسات: ماذا يفعل المتجر عندما تكون قيمة الفاتورة النقدية، مثلًا، 10.02 أو 10.98 دولار ولا تتوفر عملات سنت واحد لإعادة الباقي؟ الإطار التشريعي يسمح بالتقريب إلى أقرب خمسة سنتات عند الحاجة في المعاملات النقدية، بدل ترك كل متجر أمام قواعد مرتجلة أو مخاطر قانونية مختلفة.
أما الدفع ببطاقات الائتمان والخصم والشيكات ووسائل الدفع غير النقدية، فلا يحتاج إلى هذا التقريب ويمكن أن يستمر بالقيمة الدقيقة حتى آخر سنت. هذه نقطة مهمة: إنهاء إنتاج البنس لا يعني تحويل جميع الأسعار في أمريكا إلى مضاعفات خمسة سنتات.
لماذا تنهي أمريكا إنتاج عملة قيمتها سنت واحد؟
السبب الرئيسي اقتصادي. وفق بيانات دار السك التي نقلتها أسوشيتد برس، أصبحت تكلفة إنتاج البنس الواحد تقارب أربعة سنتات، أي عدة أضعاف قيمته الاسمية. ويُقدّر أن وقف إنتاجه يوفر نحو 56 مليون دولار سنويًا بصورة مباشرة. وكانت دار السك قد أنتجت نحو 3.2 مليار قطعة بنس في 2024 قبل توقف الإنتاج للتداول في العام التالي.
هذا يوضح الفرق بين «قيمة العملة» و«تكلفة العملة». فالحكومة لا تنفق سنتًا للحصول على سنت جديد؛ تكلفة المعدن والتصنيع والنقل والتوزيع جعلت القطعة الصغيرة نفسها مشروعًا خاسرًا عند سكها. ومع انتشار الدفع الإلكتروني، انخفضت أيضًا الحاجة العملية إلى استمرار إنتاج مليارات القطع الجديدة.
لكن إنهاء البنس يخلق تحديًا ثانيًا: الاعتماد الأكبر على عملة الخمسة سنتات «النيكل»، وهي بدورها مكلفة في الإنتاج. ولهذا يتضمن التشريع مجالًا لاستخدام تركيبة معدنية أقل تكلفة للنيكل، مع مراعاة استمرار عمل القطع الجديدة في الآلات التي تعتمد على العملات المعدنية.
ماذا يعني هذا للعرب في أمريكا؟
للمستهلك: لا تحتاج إلى التخلص من البنسات الموجودة لديك. ستظل قابلة للاستخدام، ولا توجد قاعدة تجعل رصيدك أو مشترياتك الإلكترونية تُقرب تلقائيًا إلى خمسة سنتات. التأثير الأساسي سيكون عند الدفع نقدًا وفي الحالات التي لا يمكن فيها توفير المبلغ الدقيق.
لأصحاب المتاجر والمطاعم ومحطات الوقود والأعمال الصغيرة: هذه الخطوة أهم من مجرد اختفاء قطعة نقدية. نقص البنسات كان يترك بعض التجار أمام مشكلة إعادة الباقي بصورة دقيقة، بينما تختلف قواعد الضرائب وحماية المستهلك بين الولايات. الإطار الفدرالي يمنح أساسًا أوضح للتقريب النقدي، لكن على صاحب العمل الاستمرار في متابعة قواعد ولايته المتعلقة بضريبة المبيعات وإيصالات الشراء وعدم افتراض أن كل مبلغ أو كل طريقة دفع يمكن تقريبها بالطريقة نفسها.
للأسر التي تعتمد على النقد: الفرق في كل معاملة سيكون صغيرًا، لكن طريقة التقريب مهمة لمن يجري عددًا كبيرًا من المشتريات النقدية. لهذا لا ينبغي الخلط بين إنهاء البنس وبين رفع الأسعار: سعر السلعة والضريبة يمكن أن يظلا محسوبين بالسنت، بينما يكون التقريب مرتبطًا بالمبلغ النهائي المدفوع نقدًا عندما يتعذر تقديم الفكة الدقيقة.
إذا كنت مستهلكًا، يمكنك الاستمرار في استخدام البنسات الموجودة لديك. وإذا كنت تدير متجرًا، لا تغيّر أسعارك أو نظام نقاط البيع على أساس أن كل المعاملات أصبحت تُقرب؛ راجع النص النهائي بعد توقيعه وإرشادات وزارة الخزانة وقواعد ضريبة المبيعات في ولايتك، وميّز داخل نظام الدفع بين النقد ووسائل الدفع الإلكترونية.
ما الذي تغيّر مقارنة بالوضع السابق؟
قبل التشريع، كانت الولايات المتحدة قد أوقفت فعليًا إنتاج البنس للتداول بقرار من إدارة ترامب، لكن توقف الإنتاج وحده لم يحل جميع الأسئلة القانونية والتشغيلية التي تواجه التجار مع تناقص المعروض. القانون يهدف إلى تثبيت وقف الإنتاج ووضع إطار للتقريب ومعالجة مستقبل عملة النيكل، بدل الاعتماد فقط على قرار إداري يمكن أن تتغير طريقة تطبيقه.
وتشير المعلومات المنشورة عن المشروع إلى أن المشرعين أولوا اهتمامًا أيضًا بتأثير الانتقال على الفئات التي تستخدم النقد بكثافة، بما في ذلك ذوو الدخل المنخفض ومن لا يعتمدون على الحسابات المصرفية، وهي زاوية مهمة لأن أثر تغيير العملات ليس موزعًا بالتساوي بين من يدفع بهاتفه في كل عملية ومن يعتمد على الأوراق والعملات المعدنية يوميًا.
ما التالي؟
الخطوة التالية هي وصول التشريع إلى الرئيس ترامب للتوقيع. وبالنظر إلى أن إدارته هي التي دفعت أصلًا نحو وقف إنتاج البنس، يُتوقع أن يوقعه، لكن القاعدة الدقيقة هي أن المشروع لا يصبح قانونًا نهائيًا إلا بعد استكمال الإجراء الدستوري.
بعد ذلك ستكون التفاصيل التنفيذية هي الأهم للأعمال والمستهلكين: إرشادات الخزانة، آلية التقريب عند عدم توفر الفكة، تعامل أنظمة نقاط البيع مع النقد، وأي تعليمات على مستوى الولايات بشأن الضرائب. كما سيُراقب ما إذا كان ارتفاع الطلب على النيكل سيقلل جزءًا من الوفر المتوقع، وما إذا كانت الخزانة ستنتقل إلى تركيبة معدنية أقل تكلفة.
القصة إذن ليست أن «السنت اختفى» من الاقتصاد الأمريكي، بل أن الحكومة تقترب من إنهاء إنتاج قطعة أصبحت تكلف أكثر بكثير من قيمتها، مع محاولة بناء انتقال لا يغيّر قيمة المشتريات الإلكترونية ولا يلغي العملات الموجودة بالفعل. وبالنسبة للقارئ، فإن السؤال العملي ليس ماذا يفعل بالبنسات التي لديه، بل كيف ستطبق المتاجر قواعد التقريب النقدي بعد دخول القانون حيز التنفيذ.
المصادر
وكالة أسوشيتد برس: إقرار الكونغرس التشريع وإرساله إلى الرئيس.
ABA Banking Journal: إقرار مجلس الشيوخ لقانون Common Cents Act.