عادت أسعار الطاقة إلى واجهة القلق الاقتصادي في الولايات المتحدة، الاثنين 28 سبتمبر/أيلول 2026، بعدما ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 3% وتراجعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأمريكية، في أعقاب رفض الرئيس دونالد ترامب أحدث مقترح إيراني لإنهاء الصراع وإعادة فتح مضيق هرمز، مع استمرار الحديث عن جولة جديدة من الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وطهران خلال الأسبوع.
وبحسب رويترز، أدى تعثر المسار الدبلوماسي إلى صعود أسعار الخام مجددًا وإحياء المخاوف من أن تبقى تكاليف الطاقة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما انعكس سريعًا على توقعات التضخم وعوائد سندات الخزانة الأمريكية. وتأتي هذه التطورات في وقت يراقب فيه المستهلكون والشركات داخل الولايات المتحدة أسعار البنزين والديزل، بينما يحاول المستثمرون تقدير أثر الطاقة المرتفعة على قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة.
ماذا حدث في المفاوضات؟
قال ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع إنه رفض المقترح الإيراني الأخير. ووفق ما أوردته صحيفة واشنطن بوست، كان المقترح يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف محادثات السلام خلال سبعة أيام، إلى جانب مطالب إيرانية أخرى تتعلق بالعقوبات والأصول المجمدة والحصار البحري الأمريكي. وفي المقابل، أكد مسؤولون أمريكيون وإيرانيون أن باب الاتصالات لم يُغلق بالكامل، وأن محادثات غير مباشرة قد تستمر هذا الأسبوع.
هذه النقطة مهمة لأنها تميز بين أمرين: رفض العرض المطروح لا يعني إعلان انتهاء الدبلوماسية، لكنه يعني أن الطرفين لم يتوصلا حتى الآن إلى صيغة مقبولة لإنهاء الصراع ومعالجة وضع المضيق. كما أن التصريحات المتبادلة ما تزال حادة، وهو ما يجعل أي توقع بشأن اتفاق قريب تقديرًا سياسيًا وليس حقيقة مؤكدة.
لماذا يتحرك النفط بهذه الحساسية؟
مضيق هرمز واحد من أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، ويمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية. لذلك فإن أي إشارة إلى استمرار القيود على حركة الشحن أو تعثر اتفاق يعيد التدفقات بصورة مستقرة يمكن أن ترفع علاوة المخاطر في أسعار الخام بسرعة.
وأفادت رويترز بأن خام برنت ارتفع بأكثر من 3% الاثنين بعد رفض المقترح، بينما تعرضت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية للضغط. ولا تعكس هذه الحركة سعر النفط وحده، بل الخشية من انتقال ارتفاع الطاقة إلى تكاليف النقل والإنتاج والسلع والخدمات، ومن ثم إلى التضخم العام في الولايات المتحدة.
ما الذي يعنيه ذلك للأسر الأمريكية؟
الأثر الأكثر مباشرة يظهر في محطات الوقود، لكن تأثير النفط المرتفع أوسع من سعر البنزين. الديزل يدخل في تشغيل الشاحنات والقطارات والمعدات الزراعية، وبالتالي فإن ارتفاعه قد يرفع تكلفة نقل الأغذية والبضائع بين الولايات. كما تتأثر شركات الطيران والشحن والصناعات التي تعتمد بكثافة على الطاقة، وقد تنعكس بعض هذه الزيادات تدريجيًا على الأسعار التي يدفعها المستهلك.
وتشير بيانات نقلتها واشنطن بوست إلى أن متوسط سعر غالون البنزين العادي على المستوى الوطني بلغ 4.49 دولار يوم السبت، مقارنة بـ2.98 دولار في 28 فبراير/شباط، فيما بلغ متوسط الديزل 6.48 دولار للغالون، قريبًا من مستوى قياسي سجله خلال الأسبوع الماضي. هذه الأرقام توضح لماذا تحولت تطورات هرمز من ملف للسياسة الخارجية إلى قضية اقتصادية داخلية تمس ميزانيات الأسر والشركات.
الفائدة والأسواق تحت الضغط
المعضلة الثانية تتعلق بالاحتياطي الفيدرالي. ارتفاع أسعار الطاقة لفترة قصيرة لا يؤدي تلقائيًا إلى تغيير السياسة النقدية، لكن استمرار الصدمة واتساع أثرها إلى أسعار السلع والخدمات قد يجعل خفض التضخم أكثر صعوبة. ولهذا يراقب المستثمرون عوائد السندات وتوقعات الفائدة كلما تحرك النفط بقوة.
في تداولات الاثنين، ربطت رويترز بين صعود الخام وعودة المخاوف التضخمية وارتفاع عوائد سندات الخزانة، في حين تراجعت العقود الآجلة للأسهم. ولا يعني ذلك أن الاقتصاد الأمريكي دخل مسارًا محددًا سلفًا، لكنه يعكس إعادة تسعير للمخاطر: كلما طال اضطراب الطاقة، زادت احتمالات بقاء تكاليف التمويل مرتفعة، وتعرض إنفاق المستهلك وهوامش أرباح الشركات لضغط إضافي.
ما المتوقع لاحقًا؟
الحدث الذي ستراقبه الأسواق خلال الأيام المقبلة هو ما إذا كانت الاتصالات غير المباشرة ستنتج صيغة معدلة يمكن للطرفين قبولها، وما إذا كانت حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز ستتحسن بصورة مستدامة. وأي تقدم واضح نحو إعادة فتح الممر وخفض المخاطر الأمنية قد يخفف الضغط على أسعار الخام، بينما قد يؤدي فشل المحادثات أو تصعيد عسكري جديد إلى الاتجاه المعاكس.
بالنسبة للقارئ في الولايات المتحدة، لا تقتصر أهمية التطورات على السياسة الخارجية. أسعار الوقود والنقل والغذاء وتوقعات التضخم والفائدة وأسواق الأسهم أصبحت مرتبطة بدرجة أكبر بمسار الأزمة. لذلك فإن نتيجة المفاوضات المقبلة قد يكون لها أثر مباشر في تكلفة المعيشة والاقتراض، خصوصًا إذا بقيت أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة.
المصادر: رويترز، وواشنطن بوست.