أعلنت الولايات المتحدة والصين التوصل إلى تفاهم جديد يمنح معاملة جمركية أكثر تفضيلًا لمجموعة من السلع غير الحساسة تبلغ قيمتها نحو 30 مليار دولار في كل اتجاه، في خطوة تمثل نتيجة اقتصادية ملموسة لزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وبحسب بيان للبيت الأبيض وتقرير لوكالة رويترز، يشمل التفاهم سلعًا أمريكية مصدّرة إلى الصين مثل المنتجات الزراعية والأسماك والمأكولات البحرية والأخشاب ومستحضرات التجميل والأجهزة الطبية، بينما تشمل السلع الصينية الداخلة إلى السوق الأمريكية منتجات استهلاكية من بينها الأجهزة المنزلية الصغيرة ولعب الأطفال وزينة الأعياد ومقاعد الأطفال للسيارات.
ولا يعني الإعلان أن جميع الرسوم الجمركية بين أكبر اقتصادين في العالم قد أُلغيت، كما أنه لا ينهي الخلاف التجاري الأوسع بين واشنطن وبكين. ما تم الإعلان عنه هو مسار أكثر تحديدًا لتخفيف العبء الجمركي عن مجموعة مختارة من السلع التي لا تعتبرها الحكومتان مرتبطة مباشرة بالأمن القومي أو بالتقنيات الحساسة.
ماذا يتضمن الاتفاق الجديد؟
قال البيت الأبيض إن البلدين توصلا إلى توافق بشأن توصيات لمعاملة جمركية أكثر تفضيلًا لسلع غير حساسة بقيمة 30 مليار دولار في كل اتجاه، ضمن عمل «مجلس التجارة الأمريكي الصيني» الذي جرى تفعيله كإحدى الآليات الحكومية لإدارة العلاقة الاقتصادية بين البلدين.
وبالنسبة للولايات المتحدة، قد يمنح ذلك بعض المصدرين الأمريكيين فرصة أفضل للوصول إلى السوق الصينية، خصوصًا في قطاعات الزراعة والمأكولات البحرية والأخشاب ومستحضرات التجميل والأجهزة الطبية. أما على الجانب الأمريكي، فإن خفض الرسوم على بعض السلع الصينية يمكن أن يؤثر في تكلفة منتجات يشتريها المستهلك مباشرة، مثل الألعاب والأجهزة المنزلية الصغيرة وزينة المواسم ومقاعد الأطفال.
ومن النتائج الأخرى التي أعلنها البيت الأبيض موافقة الصين على استيراد ما لا يقل عن 10 ملايين طن متري من الفحم الأمريكي في عام 2027، والكمية نفسها في عام 2028. ويمنح ذلك منتجي الفحم الأمريكيين منفذًا إضافيًا إلى أحد أكبر أسواق الطاقة في العالم، في وقت تحاول فيه واشنطن توسيع صادرات الطاقة والسلع الأمريكية.
هل ستنخفض الأسعار في المتاجر الأمريكية؟
من المبكر القول إن المستهلك الأمريكي سيلاحظ انخفاضًا فوريًا في الأسعار. الرسوم الجمركية ليست العامل الوحيد الذي يحدد السعر النهائي؛ فهناك تكاليف النقل والتخزين وسلاسل التوريد وهوامش الشركات وأسعار العملات وحجم المنافسة. كما أن الإعلان يتحدث عن «معاملة جمركية أكثر تفضيلًا»، وليس عن إلغاء شامل لكل الرسوم على المنتجات الصينية.
لكن من حيث المبدأ، تخفيف الرسوم على السلع المستوردة يقلل جزءًا من التكلفة التي تتحملها الشركات عند إدخال المنتجات إلى الولايات المتحدة. ويبقى السؤال الأساسي هو مقدار التخفيض الفعلي، ومتى يدخل حيز التنفيذ، وما إذا كانت الشركات ستنقل الوفر إلى المستهلكين عبر أسعار أقل أم ستحتفظ بجزء منه في هوامشها.
ولهذا ستكون التفاصيل التنفيذية المنتظرة مهمة للأسر الأمريكية ولتجار التجزئة على حد سواء. فالسلع المشمولة مثل الألعاب وزينة الأعياد والأجهزة الصغيرة تدخل مباشرة في إنفاق الأسر، وقد يكون لأي تخفيف فعلي للرسوم أثر أكبر خلال مواسم التسوق التي يرتفع فيها الطلب على هذه المنتجات.
تهدئة تجارية وليست نهاية للخلاف
التفاهم الجديد يأتي بعد فترة طويلة من التوتر التجاري بين واشنطن وبكين وفرض رسوم متبادلة على نطاق واسع. وذكرت رويترز أن الآلية الجديدة تركز على التجارة في القطاعات غير الاستراتيجية، في حين تبقى القيود الأوسع المرتبطة بالتكنولوجيا والأمن القومي وسلاسل الإمداد الحساسة جزءًا من العلاقة الاقتصادية المعقدة بين البلدين.
ولا تزال المعادن الأرضية النادرة والمواد الحيوية لسلاسل التصنيع الأمريكية من الملفات غير المحسومة بالكامل. وأشار البيت الأبيض إلى استمرار العمل على المخاوف الأمريكية المتعلقة بنقص الإمدادات من المعادن الأرضية النادرة وغيرها من المعادن الحرجة، بهدف إعادة مستويات الشحن إلى مستويات مناسبة.
وهذا التفصيل مهم لأن هذه المواد تدخل في صناعات تمتد من الإلكترونيات والبطاريات إلى السيارات والتقنيات المتقدمة. لذلك فإن اتفاقًا على سلع استهلاكية وزراعية بقيمة عشرات المليارات من الدولارات لا يزيل المنافسة الاستراتيجية الأوسع بين الولايات المتحدة والصين.
تعاون جديد في الذكاء الاصطناعي
إلى جانب التجارة، اتفقت واشنطن وبكين على إطلاق حوار بشأن الذكاء الاصطناعي وإنشاء قناة اتصال ثنائية للتعامل مع الحوادث المرتبطة بالتقنيات المتقدمة. ويعكس ذلك محاولة لفصل بعض مجالات إدارة المخاطر عن المنافسة التكنولوجية الحادة بين البلدين.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تعتبر فيه الولايات المتحدة والصين تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة عنصرًا أساسيًا في المنافسة الاقتصادية والأمنية. وجود قناة اتصال لا يعني اتفاق الطرفين على قواعد موحدة، لكنه يوفر آلية مباشرة للتواصل إذا ظهرت حوادث أو مخاطر يمكن أن تكون لها تداعيات تتجاوز حدود أي من البلدين.
ما الذي ينبغي مراقبته لاحقًا؟
المرحلة التالية ستحدد القيمة العملية للاتفاق. وسيكون من المهم معرفة نسب الرسوم الجديدة لكل فئة من السلع، والموعد الذي تبدأ فيه التخفيضات، وكيف ستتعامل الجمارك الأمريكية والصينية معها، وما إذا كان حجم التجارة الفعلي سيقترب من سقف 30 مليار دولار المعلن في كل اتجاه.
كما سيُراقب تنفيذ التزام الصين بشراء الفحم الأمريكي، والتقدم في ملف المنتجات الزراعية، والمفاوضات بشأن المعادن الحرجة. وأي خلاف في هذه الملفات قد يحد من أثر التهدئة الحالية، بينما يمكن للتنفيذ المنتظم أن يفتح الباب أمام توسيع قائمة السلع التي تحصل على معاملة جمركية أفضل.
بالنسبة للقارئ في الولايات المتحدة، فإن الأثر الأهم لن يظهر في العناوين الدبلوماسية بقدر ما سيظهر في الأسعار وفرص العمل والصادرات. فإذا تحولت التفاهمات إلى تخفيضات فعلية ومستقرة للرسوم، فقد تستفيد بعض الشركات الأمريكية التي تصدّر إلى الصين، وقد تنخفض تكاليف بعض الواردات الاستهلاكية. أما إذا بقيت الإجراءات محدودة أو تأخر تنفيذها، فسيظل الأثر على ميزانية الأسرة الأمريكية محدودًا.
المعلن حتى الآن يمثل خطوة نحو تخفيف جزء من المواجهة التجارية، لكنه ليس اتفاق تجارة شاملًا ولا تسوية نهائية للخلافات بين واشنطن وبكين. لذلك تبقى التفاصيل التنفيذية والالتزام المتبادل بها الاختبار الحقيقي لمدى انعكاس الاتفاق على الاقتصاد الأمريكي والمستهلكين خلال الأشهر المقبلة.