كشفت إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA) أن كلفة المرحلة الأولى من مشروع تحديث نظام مراقبة الحركة الجوية في الولايات المتحدة ارتفعت إلى نحو 16 مليار دولار، وهو رقم يتجاوز التمويل البالغ 12.5 مليار دولار الذي خصصه الكونغرس للمشروع، في تطور يعيد إلى الواجهة حجم التحدي المالي والتقني الذي تواجهه الحكومة في استبدال البنية التحتية القديمة التي تدير واحدة من أكثر شبكات الطيران ازدحامًا في العالم.
وبحسب تصريحات نقلتها رويترز الثلاثاء 15 سبتمبر/أيلول 2026، قال مدير إدارة الطيران الفيدرالية برايان بيدفورد إن الوكالة تتعامل حاليًا مع الفجوة المالية في المرحلة الأولى باستخدام موارد من ميزانية المرافق والمعدات، لكنه أوضح أن تنفيذ المرحلة الثانية سيتطلب من الكونغرس توفير نحو 10 مليارات دولار إضافية.
لماذا ارتفعت الكلفة إلى 16 مليار دولار؟
المشروع المعروف باسم «النظام الجديد لمراقبة الحركة الجوية» يستهدف استبدال أجزاء واسعة من التكنولوجيا التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في إدارة الرحلات، بما في ذلك شبكات الاتصالات والرادارات وأنظمة المراقبة والمعدات داخل منشآت مراقبة الحركة الجوية. وكانت الحكومة قد وضعت هدفًا طموحًا لإنجاز الجزء الأساسي من المرحلة الأولى بحلول نهاية عام 2028.
لكن تقريرًا حديثًا لمكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي (GAO)، وهو الذراع الرقابية المستقلة التابعة للكونغرس، حذر من أن إدارة الطيران الفيدرالية تحتاج إلى تحسين تخطيط الكلفة والجدول الزمني للمشروع. وذكر المكتب أن المرحلة الأولى تتضمن أكثر من 11 ألف مشروع منفصل، وأن تقديرات الوكالة السابقة لم تكن تعكس بصورة كاملة ما قد يلزم لإنجاز عملية التحديث بهذه السرعة.
ومن الأمثلة الواضحة على ارتفاع التكاليف تحديث شبكة الاتصالات. فقد ارتفعت التقديرات المرتبطة بهذا الجزء إلى نحو 5.91 مليار دولار، مقارنة بنحو 4.75 مليار دولار في تقديرات سابقة. وتعمل FAA في الوقت نفسه على التخلص من خطوط نحاسية قديمة واستبدالها باتصالات أسرع وأكثر موثوقية تعتمد على الألياف الضوئية وتقنيات حديثة أخرى.
ماذا أنجزت FAA حتى الآن؟
رغم الانتقادات المتعلقة بالتكلفة والتخطيط، أحرزت الوكالة تقدمًا في عدد من أجزاء المشروع. ووفق مكتب المحاسبة الحكومي، كانت FAA قد استبدلت حتى مايو/أيار 2026 نحو 2,560 من أصل 5,170 وصلة اتصالات قديمة مستهدفة بالاستبدال ضمن البرنامج.
كما أعلنت وزارة النقل وإدارة الطيران الفيدرالية خلال الأشهر الماضية سلسلة استثمارات وتركيبات جديدة تشمل رادارات وأنظمة مراقبة سطح المطارات وأدوات رقمية تساعد المراقبين على متابعة حركة الطائرات والمركبات. وفي 14 سبتمبر/أيلول، أي قبل الإعلان الجديد بيوم واحد، أعلنت FAA عن 280 منحة بقيمة إجمالية تبلغ 1.1 مليار دولار لمطارات في 46 ولاية وثلاثة أقاليم، تشمل مشاريع بنية تحتية ومعدات لتحسين متابعة المركبات على المدارج والممرات.
وتقول الوكالة إن تحديث الشبكة ليس مشروعًا تجميليًا، بل ضرورة تشغيلية. ففي وثائقها الرسمية، أشارت FAA إلى أن دقائق التأخير المرتبطة بأعطال المعدات خلال عام 2025 كانت أعلى بنحو 300% من متوسط الفترة بين 2010 و2024. كما أن أجزاء من البنية التحتية الحالية تعود إلى عقود سابقة، وبعض أنظمة الرادار المستخدمة صُممت في ثمانينيات القرن الماضي.
المرحلة الثانية قد تحتاج أكثر من 10 مليارات دولار
المشكلة المالية لا تنتهي عند المرحلة الأولى. تقرير GAO قال إن إدارة الطيران الفيدرالية تقدر احتياجات المرحلة الثانية بنحو 10.2 مليار دولار، من دون احتساب تكاليف المنشآت. وتركز هذه المرحلة بصورة أكبر على أنظمة الأتمتة التي تستخدم لتتبع الطائرات وتحسين تدفق الحركة الجوية.
ولا يزال الجدول الزمني الكامل للمرحلة الثانية غير محدد. وهذه نقطة رئيسية في انتقادات مكتب المحاسبة الحكومي، الذي يرى أن مشروعًا بهذا الحجم والسرعة يحتاج إلى تقديرات أكثر شمولًا للكلفة وخطة زمنية متكاملة حتى يتمكن الكونغرس من معرفة حجم الالتزام المالي النهائي ومراقبة التنفيذ.
ماذا يعني ذلك للمسافرين في أمريكا؟
بالنسبة للمسافر العادي، لا يعني الإعلان أن أسعار تذاكر الطيران سترتفع مباشرة أو أن الرحلات ستتغير فورًا. التمويل الذي يجري الحديث عنه يتعلق بالبنية التحتية الفيدرالية لإدارة المجال الجوي، وليس برسوم جديدة أُعلنت على الركاب.
لكن نجاح المشروع أو تعثره يمكن أن يظهر أثره على المدى الطويل في موثوقية شبكة الطيران. الأنظمة الأحدث يفترض أن تقلل الأعطال التقنية، وتحسن قدرة المراقبين على متابعة الطائرات والمركبات، وتساعد على إدارة الازدحام بصورة أفضل. وفي المقابل، فإن تأخر التحديث أو نقص التمويل قد يطيل اعتماد الوكالة على معدات قديمة تحتاج إلى صيانة متزايدة ويمكن أن تؤدي الأعطال فيها إلى إبطاء الحركة الجوية.
وتؤكد FAA أن النظام الحالي يظل آمنًا، لكنها تقول إن بعض حالات تعطل المعدات تضطرها إلى إبطاء الرحلات للمحافظة على هامش السلامة، وهو ما يمكن أن يتحول إلى تأخيرات تتراكم عبر شبكة المطارات.
ماذا يحدث بعد ذلك؟
الخطوة التالية ستكون في الكونغرس، حيث يتعين على المشرعين تقييم طلبات التمويل الإضافية ومقارنة الكلفة الجديدة بما سبق تخصيصه. وقد خصص الكونغرس في يوليو/تموز 2025 مبلغ 12.5 مليار دولار لدعم المشروع، لكن أحدث تقديرات FAA توضح أن هذا المبلغ لن يغطي وحده كل ما تخطط الوكالة لإنجازه.
ومن المتوقع أن يظل تقرير مكتب المحاسبة الحكومي عنصرًا أساسيًا في النقاش، خصوصًا مع مطالبة الجهة الرقابية بتحسين تقديرات الكلفة ووضع جدول أكثر شمولًا. وفي الوقت نفسه، تواصل FAA تنفيذ مشاريع المرحلة الأولى، ومنها استبدال شبكات الاتصالات والرادارات وأنظمة المراقبة وتحديث أدوات العمل المستخدمة داخل أبراج ومراكز مراقبة الحركة الجوية.
وبذلك أصبحت القضية أكبر من مجرد شراء معدات جديدة: الحكومة تحاول تنفيذ تحديث واسع خلال فترة قصيرة، بينما يتعين عليها في الوقت نفسه إثبات أن التكاليف والجدول الزمني يمكن السيطرة عليهما. وما سيقرره الكونغرس بشأن التمويل الإضافي سيحدد إلى حد كبير سرعة الانتقال من البنية التحتية القديمة إلى النظام الذي تريد FAA تشغيله للسنوات المقبلة.