وافقت شركة أبوت لابوراتوريز على دفع نحو 385 مليون دولار لتسوية اتهامات مدنية مرتبطة بتصنيع وبيع بعض منتجات حليب الأطفال المجفف، في تطور قانوني كبير يعيد إلى الواجهة أزمة حليب الأطفال التي شهدتها الولايات المتحدة عام 2022 وأدت آنذاك إلى سحب منتجات وإغلاق مؤقت لأحد أكبر مصانع الحليب الصناعي في البلاد.
وبحسب وزارة العدل الأمريكية وتقارير مستقلة نشرتها رويترز وأسوشيتد برس، تبلغ قيمة التسوية 384,999,040 دولارًا. وتتعلق الادعاءات بمنتجات صُنعت في منشأتي أبوت في ستورجيس بولاية ميشيغان وكاسا غراندي بولاية أريزونا، وبمزاعم أن الشركة تسببت في تقديم مطالبات مالية إلى برامج فدرالية وبرامج تابعة للولايات مقابل منتجات قالت الحكومة إنها لم تُصنع بما يتوافق مع متطلبات قانونية وتنظيمية وتعاقدية معينة.
ومن المهم التمييز بين الاتهامات والوقائع المثبتة قضائيًا: موافقة أبوت على التسوية لا تعني صدور حكم يثبت مسؤوليتها عن هذه الادعاءات. الشركة نفت ارتكاب مخالفات، ولم تتضمن التسوية إقرارًا بالمسؤولية. كما أفادت التقارير بأن التحقيق الجنائي المرتبط بالقضية أُغلق.
ما الذي تتهم به الحكومة شركة أبوت؟
تركز القضية على الفترة الممتدة من 2018 حتى 2022. ووفق ما أعلنته السلطات، فإن الحكومة تزعم أن بعض منتجات الحليب المجفف والعلاجات الغذائية صُنعت في ظروف أثارت مخاوف تتعلق بالامتثال لمتطلبات التصنيع والسلامة، ثم جرى بيعها بصورة أدت إلى دفع أموال من برامج حكومية فدرالية وبرامج على مستوى الولايات.
وتكتسب القضية أهمية إضافية لأن حليب الأطفال ليس منتجًا استهلاكيًا عاديًا؛ فجزء من مشترياته في الولايات المتحدة يرتبط ببرامج مساعدة حكومية تستهدف الأسر والأطفال، كما أن أي اضطراب في إنتاج الشركات الكبرى يمكن أن ينعكس بسرعة على توفر المنتجات في المتاجر.
وتشير رويترز إلى أن الاتهامات شملت القول إن الشركة لم تُجرِ اختبارات كافية لبعض المنتجات أو لم تُبلغ الجهات التنظيمية على النحو الذي قالت الحكومة إنه كان مطلوبًا بشأن مخاطر التلوث. في المقابل، تؤكد أبوت أنها لم تقر بارتكاب أي مخالفة وأن المنتجات غير المفتوحة التي وُزعت في السوق لم يثبت احتواؤها على البكتيريا التي كانت محور المخاوف في أزمة 2022.
كيف ترتبط التسوية بأزمة حليب الأطفال في 2022؟
في فبراير/شباط 2022، سحبت أبوت دفعات من منتجات حليب الأطفال بعد تحقيق في حالات عدوى لدى أطفال ومخاوف من بكتيريا كرونوباكتر ساكازاكي. وأغلقت الشركة مصنعها في ستورجيس بولاية ميشيغان مؤقتًا أثناء التحقيق، وهو ما ساهم في تفاقم نقص حليب الأطفال في الولايات المتحدة في وقت كانت فيه سلاسل الإمداد تعاني أصلًا من اضطرابات مرتبطة بجائحة كورونا.
وصلت الأزمة إلى درجة دفعت الحكومة الفدرالية آنذاك إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لزيادة الإمدادات، بما في ذلك تسهيل استيراد حليب الأطفال من الخارج واستخدام رحلات جوية لجلب منتجات من أوروبا، إلى جانب خطوات لزيادة الإنتاج المحلي.
لكن العلاقة بين المنتجات المسحوبة وحالات المرض كانت موضع نزاع. ووفق أسوشيتد برس، لم تجد الاختبارات الحكومية البكتيريا المعنية في عبوات غير مفتوحة مأخوذة من منازل المستهلكين، كما لم تثبت الاختبارات وجودها في منتجات غير مفتوحة وموزعة من أبوت. ولهذا فإن التسوية الحالية ينبغي ألا تُقرأ على أنها حكم قضائي يقرر أن منتجات محددة تسببت في إصابات أو وفيات.
ماذا تعني تسوية 385 مليون دولار؟
التسوية تنهي مجموعة من المطالبات الحكومية والمدنية المرتبطة بهذه الوقائع مقابل دفع مالي كبير، من دون أن تمر جميع الادعاءات بمحاكمة كاملة تنتهي بحكم في المسؤولية. وهذا النوع من التسويات شائع في القضايا المعقدة التي تتداخل فيها قوانين التصنيع الصحي مع مدفوعات البرامج الحكومية.
بالنسبة إلى أبوت، تسمح التسوية بإغلاق جزء مهم من المخاطر القانونية المرتبطة بأزمة 2022، لكنها لا تمحو الأثر الذي تركته الأزمة على سوق حليب الأطفال الأمريكي ولا الجدل الأوسع بشأن مدى اعتماد السوق على عدد محدود من المنتجين الكبار.
كما أن هذه التسوية منفصلة عن نزاعات قضائية أخرى تتعلق بمنتجات حليب الأطفال وقضايا صحية مختلفة. لذلك لا ينبغي الخلط بين مبلغ التسوية الحكومية الحالية وأي تعويضات أو دعاوى مدنية أخرى رفعتها عائلات في قضايا مستقلة.
لماذا يهم الخبر الأسر في الولايات المتحدة؟
تُظهر أزمة 2022 مدى حساسية سلسلة توريد حليب الأطفال. عندما توقف مصنع كبير عن الإنتاج، واجهت أسر في ولايات متعددة صعوبة في العثور على التركيبات التي اعتاد أطفالها استخدامها، وكانت المشكلة أشد بالنسبة إلى الأطفال الذين يحتاجون إلى أنواع متخصصة لأسباب غذائية أو طبية.
ولهذا فإن القضية تتجاوز قيمة التسوية نفسها. فهي تضع مجددًا تحت المجهر الرقابة على مصانع حليب الأطفال، وطريقة تعامل الشركات مع مؤشرات التلوث المحتملة، وسرعة التواصل مع الجهات التنظيمية، ومدى قدرة السوق الأمريكية على الاستمرار إذا تعطل مصنع رئيسي.
وبالنسبة إلى الأسر التي تستخدم حليب أبوت حاليًا، لا يعني إعلان التسوية بحد ذاته وجود سحب جديد للمنتجات المتداولة في الأسواق. الخبر يتعلق بتسوية ادعاءات مرتبطة بفترة سابقة وبأزمة 2022، وليس إعلانًا عن سحب عام جديد. وأي سحب لمنتج غذائي يجب التعامل معه وفق رقم الدفعة والمنتج المحدد والإعلان الرسمي الصادر عن الجهة التنظيمية أو الشركة.
ما المتوقع بعد ذلك؟
بعد الإعلان عن الاتفاق، سيتركز الاهتمام على تنفيذ شروط التسوية وعلى استمرار الرقابة التنظيمية على قطاع حليب الأطفال. ومن المرجح أيضًا أن تبقى أزمة 2022 مرجعًا مهمًا في النقاش حول مرونة سلاسل الإمداد، خصوصًا أن توقف منشأة واحدة ساهم حينها في نقص وطني واسع.
أما قانونيًا، فإن إغلاق التحقيق الجنائي والتوصل إلى التسوية المدنية يقللان جانبًا مهمًا من عدم اليقين بالنسبة إلى الشركة، لكنهما لا يعنيان بالضرورة انتهاء كل القضايا المنفصلة المتعلقة بمنتجات حليب الأطفال. وستظل أي دعاوى أخرى خاضعة لوقائعها وأدلتها وإجراءاتها القضائية الخاصة.
وتبقى النقطة الأساسية للقارئ أن مبلغ 385 مليون دولار يمثل تسوية لاتهامات حكومية ومدنية وليس حكمًا بإدانة الشركة، بينما تعكس القضية في الوقت نفسه حجم التداعيات التي يمكن أن تنتج عندما تتقاطع سلامة الغذاء مع برامج المساعدات العامة وسلسلة إمداد يعتمد عليها ملايين الآباء والأطفال في الولايات المتحدة.